page 1372, entry [513]Open original source
ذكر خلع الملك فاروق الأول ففيها قام الجيش المصري بقلب نظام الحكم، فأبعد الملك فاروق عن مصر لاتهامه بالخيانة، ثم ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في العام القادم، وقد طالب رجال الثوار الإنكليز بالجلاء عن قناة السويس حتَّى تمكنوا من عقد اتفاقية بينهم وبين الإنكليز في آخر شهر ذي القعدة بعد هذه السنة بسنتين بموجبها جلاء الجيوش الأجنبية عن قاعدة قناة السويس، وجرى ما سنذكره فيما بعد، ومن عاش فسوف يرى، فبينما الملك فاروق في لهوته وغفلته وتمسكه بالملك واثقًا بما تزينه له نفسه من الغرور والتمادي إذا بمحمد نجيب قائد عام القوات المسلحة يثور بالحركة العسكرية، فطوق القصر الملكي بالقوات والجيش، وقام زعماء الأحزاب السياسيةوغيرها من الهيئات في مصر مؤيدين تلك الحركة التي قام بها الجيش المصري بقيادة المذكور بالتساند مع وزارة رفعت علي ماهر باشا. كما أيدها زعماء الأحزاب السودانية في مئات البرقيات التي أرسلوها إلى اللواء محمد نجيب بك. ولما أن طوق الجيش قصر الملك فاروق أرغم على التنازل ومبارحة البلاد، وأنذر بالخطر فما كان بوسعه إلا أن تنازل عن الملك، وذلك في ظهر يوم الأحد الموافق ٤ ذي القعدة من سنة ١٣٧١ هـ الموافق ٢٦ يولية سنة ١٩٥٢ م. وتعد هذه من أعظم الحوادث التي تمخضت عنها مصر، وكان لها صداها العميق في جميع الأوساط والمحافل السياسية في العالم شرقًا وغربًا، وتناقلته أسلاك البرق ومحطات الإذاعات في العالم باهتمام بالغ. وهذا نص الوثيقة الرسمية التي تنازل فيها الملك فاروق عن عرشه لولي عهده: نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان، لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا وسعادتها ورقيها، ولما كنا نرغب رغبةَ أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة، ونزولًا على إرادة الشعب قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد، وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه. ثم إنه في عشية اليوم المذكور غادر الأراضي المصرية على الباخرة المحروسة قاصدًا إلى المياه الإيطالية مصطحبًا معه نجله المذكور أحمد فؤاد الذي نودي به ملكًا على مصر والسودان، وقد أجريت له مراسم التوديع المعتادة في مثل هذه الحالة وفقًا للتقاليد الدستورية هذا وما كان بوسعه إلا أن يتنازل لما صوبت المدافع إلى قصره، بل طوقت جميع أسلحة الجيش برية وبحرية وجوية القصور الملكية، وأرغم أن يبارح مصر بظرف ساعات معدودة. ومن العجائب أنَّه كان على غير انتظار، بل كان في جو من الهدوء قبل ذلك، فما شعر إلا بتلك المظاهرات الرائعة بنظام تام، وبسرعة لا تضارعها إلا سرعة تحركات الجيوش في ميادين القتال بهدوء لا تراق فيه نقطة دم واحدة.أما الوحشة والنظر في مصيره فإنه قد أنذره بعض ملوك العرب بخيانة مصر قبل ذلك له، وإنها تبيت له مالا يرضى من الأعمال، وقد أخرج وزوجته حاملًا ابنه فؤاد بيده اليمنى على صدره بحالة محزنة، ورؤية تسيء كل من رآها، وآخر رسم أخذ له وهو يمشي في كابري، وجاء في أخر الأنباء أنه وصل إلى ميناء نابولي الإيطالي، وأنه حجزت له ولأفراد أسرته الملكية الغرف الكافية في فندق هناك، وأن الحكومة الإيطالية وافقت على أن يقيم بصفته الشخصية في ايطاليا، وفي أنباء إيطاليا أنَّه سيبرحها بعد بضعة أيام، وقد تضاربت الأنباء في الجهة التي يقصدها فيما بعد، وقد صرح في منفاه بأنه رجل فقير قد يضطر إلى البحث عن عمل عن طريق الإعلانات الصغيرة في الصحف، غير أنَّه أقام مأدبة عشاء لستمائة شخص. ولما أن تنازل فاروق عن العرش وبارح مصر، قام رفعت علي ماهر باشا بصفته رئيس مجلس الوزراء فأصدر هذا البيان للأمة المصرية: بناء على ما تقدم في الوقت الذي نزل فيه الملك فاروق الأول عن العرش لولي عهد مصر وغادر البلاد المصرية، ينادي مجلس الوزراء بحضرة صاحب الجلالة أحمد فؤاد الثاني ملكًا لمصر والسودان، ويدعو الله أن تنعم البلاد في عهده كما تصبو إليه من رقي ومجد وسعادة، كما أصدر مجلس الوزراء المصري بيانًا للأمة المصرية أن مجلس الوزراء قد تولى منذ اليوم سلطات الملك الدستورية باسم الأمة وتحت المسؤولية إلى أن يحين الوقت الذي يجب عليه فيه أن يسلم مقاليدها إلى مجلس الوصاية، وكان الملك فاروق قد كتب قبل أن يغادر الأراضي المصرية أسماء الأوصياء في ظرفين: أحدهما أودع في خزانة الديوان الملكي، والثاني برئاسة مجلس الوزراء، فتألفت هيئة وصاية على العرش من ثلاثة، ثم اكتفى بوصي واحد، وهؤلاء الثلاثة هم الأمير عبدِ المنعم، وبهي الدين بركات، ورشاد مهنا.