page 1009, entry [362]Open original source
ذكر ورعه وزهده أما ورعه فحدّث عنه ولا حرج، كان لا يمسك شيئًا في الدنيا غير كفايته، ولم يستقطع من الملوك الأراضي ولم يجمع مالًا لنفسه غير بيته الذي يسكنه، وإذا جاءه مرتبه وعنده شيء من بقية الأول فرق الأول. وجاء إليه أهل هجرة من البدو يطلبون منه أن يجعل لديهم مطوعًا ديانته حقيقة صدقًا، وجعلوا يسألونه ويلحون فقال: يا هؤلاء إن وجدتم ذلك فاطلبوا لنا ولكم الله المستعان. وطلب منه أهل هجرة مطوعًا عينوه، غير أنه لا يعرفه فقال: حتى نسأل عنه شيخه الذي يعرفه، يعني به أخاه عمر. وأتاه رجل يسب وكيلًا وينال من عرضه لأمر لا يعنيه فقال له: كأنك تريد الوكالة لنفسك وتطلبها، فاستحيا الرجل وسكت. وقال مرة لأحد كبار التلامذة أقرأ علينا بالفروع لابن مفلح نقرر ما نعرف منها وما لا نعرفه نكله إلى من يعرفه وهذا منه من باب الهضم لنفسه ورؤيتها بعين الاحتقار وإلا فهو العالم الكبير والبحر الغزير. وكان من سجيته أنه لا يقبل هدية ولا يستجيب لأحد، بل كان يأكل في بيته ويقتصد في معيشته ويمازح إخوانه ويخفض لهم الجناح، وأوذي في ذات الله فصبر وارتفع شأنه وعلت رتبته فما بطر ولا تكبر بل يحب طالب العلم والمستفيد ويقرب الغريب. وكان يأتي بالنجار إذا احتاج إليه ولو لعمل بسيط كإصلاح مفتاح، ورحى ونحو ذلك من الأمور الزهيدة، فيحضر عنده يحادثه، فإذا فرغ أطعمه وسقاه وأعطاهأجرته كاملة، فيأسف النجار عند دفعه الأجرة فيقول: هذه أجرتك فهي حقك يا ولدي فإن لم تأخذها لم نأت بك فيما بعد، فيأخذها على مضض، وكان ﵀ وعفا عنه متواضعًا يحمل حوائجه على رأسه. هذا وقد خدمته الليالي والأيام وقدمه الملوك والحكام وبذلت له ما لا يجري على الأوهام، فرد ما زاد على الكفاية، وأبى عليه فضله ودينه أن يكون مكاثرًا، فرحمة الله عليه من إمام عبر الدنيا وما عمرها، وقل والله من كان متصفًا بصفاته من علماء زمانه.