page 768, entry [254]Open original source
سنة الغرق في القصيم وفيها في رمضان في العشر الأواخر منه هطلت أمطار عظيمة على القصيم كادت أن تهلك الناس، وتلف بسببها أموال وضاعت أموال أخرجتها السيول من وسط المنازل، لما دخلت البيوت وجاء الوادي المسمى بالفاجرة من مجراه مع الخبيب الكاين في بريدة يمتد من الشمال إلى الجنوب، وكان هذا الوادي لا يجري إلا بتكاثر السيول وأنهارها، وقد أدركت ذلك وأنا في الثامنة من العمر، في حال الدراسة بعد صلاة الظهر على المؤدب، ومعي لوح من خشب، كتب فيه المؤدب آيات من أول سورة المعارج، فرأيت الماء يصب من السماء كهيئة العزالى أفواة القرب، وتعرف هذه السنة بسنة الغرقه، في لغة العامة تأنيث الغرق، وقد رأى رجل من الصالحين في منامه قبيل الغرق، آتيا أتاه في النوم فتكلم سائلًا: أتكون الواقعة في الأموال، أم في الأرواح؟ فسمع مجيبًا له يقول: لا بل بالأموال، فكان كما ذكر. وفيها في ٢٥ من رمضان ولي الأمير مبارك بن مبيريك إمارة بريدة، وكان رجلًا حليمًا سكينًا. وفيها وفاة الشاعر النبطي محمد بن عبد الله العوني وهذه ترجمته: هو شاعر الحرب والسياسة المهيج المتقلب ولد في بريدة. وكان أبوه بناء ولم يكن من ذوي البيوت والشهرة، ولكنه نبغ بالشعر السياسي، فطار صيته، وسارت بأشعاره الركبان.وقد نشأ في عهد حروب وفتن وتطاحن، وذلك في عهد حروب أبناء فيصل فيما بينهم حتى أضاعوا ملك آل سعود. وكان محمد بن رشيد قد انتهز هذه الفرصة للإستيلاء على نجد، وكان القصيم هو محور الدائرة لتلك الحروب، ففيه واقعة المليداء والبكيرية ومئات من الوقائع، شهدها كلها العوني وشارك في كثير منها بشعره الذي له وقع السيف والمدفع، وكان الشعر في تلك الحروب يمثل دور الصحافة ويمتلك عنان الدعاية فيهتم له الأمراء المتحاربون. ولما جرت واقعة المليدا جلى العوني مع من جلى من أهل القصيم إلى الكويت، وكان العوني مولعًا بآل مهنا فكان صديقًا لعبد العزيز بن عبد الله بن مهنا، وبعد قتله وفرار أخيه محمد بن عبد الله آل أبي الخيل وأهل بيته إلى الكويت من حبس ابن رشيد، اتخذه العوني صاحبه وكان ذلك قبل وقعة الطرفية، ثم لما جرت الطرفية وجلى رؤساء أهل القصيم إلى الكويت فرارًا من ابن رشيد، اجتمع رجال عقيل واقترحوا على العوني أن ينظم قصيدة يثير بها ساكنهم، ويستجيش بها همهم، ليقوموا باسترجاع وطنهم بعد ما شتتوا عنه، في دمشق والكويت، فأنشأ قصيدة سماها الخلوج، وهي الناقة التي فقدت ولدها فهي لا تهدأ من الحنين. ولما أنشأها كعادته في التهييج، وقرئت عليهم بكوا، وصفوا تجارتهم وتجهزوا على حسابهم الخاص، وجعلوا يحاربون تحت راية ابن سعود إلى أن تم استرجاع القصيم كما قدمنا وما زال العوني مترددًا بين سعدون وابن رشيد، وبعد سعدون ابنه عجيمي، ثم بقي عند ابن الرشيد في حائل، يثير الفتن حتى تم فتحها فطلب الأمان من ابن سعود فأمنه ورجع إلى الرياض، غير أنه لم يكف عن التهييج وإثارة الفتن، فقبض عليه ابن سعود، وأمر بزجه في السجن في الأحساء، فقال في ذلك السجن قصيدته التي كتوبة، وبعد ذلك توفى في هذه السنة وقصائده موجودة.