page 573, entry [198]Open original source
بلغاريا تعلن الحرب على صربيا لما دحر الألمان الروس استميلت بلغاريا الخوض في غمار الحرب إلى جانبهم، فأعلنت الحرب على صربيا في ١٤ أكتوبر سنة ١٩١٥ م، وهوجم الجيش الصربي من الشمال ومن الشرق فأكره على إلقاء سلاحه بعد أن أنزلت به خسائر ماحقة، والتجأت فلوله إلى ألبانيا. ولقد أغرق الألمان عددًا كبيرًا من السفن التجارية وسفن الركاب مما أثار احتجاج الدول المحايدة، ولا سيما الولايات المتحدة، فقد هلك بإغراق غواصةألمانية لسفينة بريطانية نحو ألف ومائتي رجل وامرأة وطفل من بينهم نحو مائة أمريكي، فانسحبت روسيا من الحرب لما وقع فيها من الخسائر، ودخلت الولايات المتحدة في الحرب، وقد ذكرنا أن الأتراك أمدوا ابن رشيد بالأموال والذخائر، فأخذها الشمّري الشاب ليستعين بها على قتال خصمه، وهذه مبادئ واقعة جراب التي كان يؤرخ بها أهالي نجد، وكان ذلك في الوقت الذي تم فيه عقد المعاهدة بين ابن سعود وبين الدولة العثمانية بواسطة السيد طالب النقيب على ماء الصبيحية. فيا عجبًا من أمر الدولة حيث كان الباب العالي يعمل بيمناه وتنقض يسراه، فدونك تقريب المسألة: هو أن الوفود تعددت في باب ابن سعود وعقدت عهود ناسخة لعهود، وقد حالت الحرب العظمى دون ذلك وهدمت الناسخ والمنسوخ، وكان لم يعلم ابن سعود باتفاق ابن رشيد بوالي البصرة إلا بعد رجوعه إلى الرياض في أول هذا العام. ولما أن كتب إلى ابن رشيد يذكره بعهد الصلح الذي بينهما ويعيب عليه ذلك الاتفاق بينه وبين الأتراك، أجابه ابن رشيد بكتاب يقول فيه إني من رجال الدولة ومصالحتي وإياك لا تكون إلا إذا رضيت الدولة بها، فعد ذلك عبد العزيز خيانة منه، وكتب إليه يقول إذا كنت مصرًا على نكث العهد فالمقاومة أولى، وما خطر في باله عنه ما كتب هذه الكلمة بأن الدولة قد قام بعضها على بعض بالسلاح. ولما أعلنت الحرب العظمى وعبأت تركيا جيشها، سارع عبد العزيز عندما اتصل به خبرها إلى مراسلة أمراء العرب إلى الشريف حسين وابن رشيد وابن صباح في الموضوع، فأرسل رسله تحمل الكتب إلى هؤلاء بما مضمونه في هذا الكلام "قد علمتم ولا شك بوقوع الحرب فأرى أن نجتمع للمذاكرة علنًا نتفق فننقذ العرب من أهوالها ونتحالف مع دولة من الدول لصون حقوقنا وتعزيز مصالحنا، فلما بعث الرسل بهذه الكتب جاء طالب النقيب من قبل الأتراك ثانيةً ليسترضي ابن سعود فاجتمع به في القصيم، ولكن الإنكليز كانوا أثناء ذلك قد احتلوا البصرة، فجاء الملازم شكسبير المتقدم ذكره قريبًا يحمل في حقيبته تفويضات لا قيد يقيدها غير المصلحة البريطانية واقترانها بمصلحة نجد.ثم قدم من المدينة وفد عثماني يحمل إلى ابن سعود عشرة آلاف ليرة، وينزلف منه بواسطة صديقه محمود شكر الآلوسي أحد أعضاء الوفد، ثم خرج من الحجاز الأمير عبد الله بن الشريف حسين موافدًا من والده للنظر في المسألة التي كتب عبد العزيز بخصوصها فاجتمع على الحدود بمندوب ابن سعود وافتراق الاثنان كما اجتمعا دون أن يقررا شيئًا. والحقيقة أن الشريف يتحين الفرص للهجوم على ابن سعود تنفيذًا كما قيل لتلك المعاهدة التي وصفها الأمير خالد بن لؤي في قوله اكتب له ورقة تنفعه عند الترك ولا تضرك. أما ابن رشيد فقد أجاب بصراحة بقوله: إني رجل من رجال الترك فأحارب إذا حاربت، وأصالح إذا صالحت وكتب مبارك بن صباح يخبر ولده عبد العزيز بأن "اللورد هاردنغ" حاكم الهند قادم إلى البصرة، ومن رأيي يا ولدي أن تقدم أنت إلينا للمفاوضة. فلما رأى جلالة الملك عبد العزيز هذه الرياح المتحركة والعواصف المكدرة، جعل يعمل بما تقتضيه المصلحة، فرد وفد الآلوسي ردًا حسنًا، وقال لمحمود شكري إنها كما ترى فلا يمكنني مقاومة الإنكليز بعد احتلالهم البصرة، أما طالب النقيب فإنه بعد ذلك الاحتلال يخشى الرجوع إلى بلده، فتوسط ابن سعود من أجله فأذن له الإنكليز، وعاد كما عاد الآلوسي خائب الأمل.