page 320, entry [102]Open original source
ذكر شيء من أخبار الشيخ محمد عبده كان هذا الشيخ يسمى المصلح الكبير المجتهد الخطيب الكاتب أحد أركان النهضة العربية، كانت نشأته من أسرة فقيرة فتعلم الأدب وأخذ عن أستاذه جمال الدين. ولما قامت ثورة عرابي بمصر أحاطت الشبهة بعنقه وحوكم، وحكم عليه بالنفي من مصر ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ولما كان في هذه السنة، عاد الشيخ محمد إلى مصر بعد انقضاء مدة النفي، وفي خلال هذا النفي استطاع أن يلتقي في باريس بأستاذه جمال الدين الأفغاني.وكان الشيخ محمد يسعى سعيًا حثيثًا إلى إصلاح المحاكم الشرعية وإصلاح الأوقاف وإصلاح المساجد، وكانت وسائل الشيخ في هذا الإصلاح متعددة، وربما كان من أقواها عنايته بتفسير القرآن التي كادت تستغرق كل مجهوده ودروسه في تفسير القرآن، كانت حاشدة يتوافد إليها الطلاب من كل ناحية، ومن أظهر أعماله الإصلاحية عمله على إصلاح الجامع الأزهر. ولقد حاول الشيخ ذلك جهده المستميت واحتمل فيه أذى كثيرًا، ولكنه بقي يثابر ويكافح حتى ألجئ إلى الإستقالة من مجلس إدارة الأزهر اضطرارًا وأوصد في وجهه باب العمل على إصلاح الأزهر، فلقي من ذلك خيبة أمل ردته، أو كادت ترده يائسًا، ثم لم يلبث أن توفى على أثرها وسنذكر بعد ذلك سنة وفاته. وكان يقول بعد استقالته من الأزهر يظنون أنني بخروجي من الأزهر تركته مرعى خصيبًا لشهواتهم ترتع حيث تشاء، ألا أنني ألقيت بين جوانب هذا المكان شعلة لا تنطفيء إن لم تلتهب اليوم أو غدًا فستلتهب في ثلاثين عامًا، وستكون ضرامًا. وكان ﵀ قاضيًا بالمحاكم الأهلية، ثم مفتيًا للديار المصرية، وتولى التدريس بالأزهر وإليه يرجع الفضل في إصلاحه، وهكذا يكون الرجال المخلصون في أعمالهم، ولقد كان الشيخ محمد عبده موضع الإعجاب بين رجال الدين المصريين، وتفتخر به الأمة المصرية التي يعيش في أكنافها ويظله سماء وطنها، وما زال يتقدم حتى بلغ صيته ما بلغ الليل والنهار، فرحمة الله على روحه وحيا الله رجال العلم والدين. ولقد سمعت شيئًا من مؤلفاته المفيدة ودعواته السديدة وإصلاحاته الرشيدة، فرأيتها والله مثالًا في الإخلاص، وأكبر برهان على فضله ومقامه. وفي هذه الفترة لا تزال المشاغبات والنزاع مستمرًا نتيجة الخلاف الذي جرى في المسائل الدينية بين الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وبين بعض المنتسبين إلىالعلم، وحاصل هذا النزاع أن المخالفين للشيخ يقولون بجواز التوسل إلى الله بذوات العلماء والصلحاء، وجواز السفر إلى بلدان المشركين والإقامة بها، ويقولون أن الهجرة منقطعة لقوله ﷺ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية. ولا ريب أن هذه الأقوال مطروحة، وهذا الحديث يفيد أنه لا يهاجر من مكة بعد ما فتحت وكانت بلادًا إسلامية. وقد نتج عن هذا الخلاف افتراق وتحزب لذلك أحزاب، وتوترت العلاقات بين القائلين بالجواز والمانعين منه، حتى كان لكل طائفة ردود ومؤلفات وانتصارات، وامتدت هذه المحنة قريبًا من ربع قرن، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والمسألة يطول شرحها وتفاصيلها، وتحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا الموضع. ولا ريب أن الحق الذي لا مرية فيه هو ما كان عليه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وأتباعه رفع الله قدره وأشاد في العالمين ذكره، وما كان مع المخالفين ما يستند عليه، وندين الله تعالى بقول الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم: ونعتقده ونسأل الله تعالى الثبات عليه إلى أن نلقاه إنه جواد كريم.