page 466, entry [240]Open original source
جعفر البرمكي (الترجمتان رقم: ١٣٢أو ١٣٢ب، ص: ٣٢٨ و ٣٤٢، إضافات متفرقة) وقال إدريس بن بدر: عرض رجل للرشيد فقال: نصيحة، فقال لهرثمة: خذ إليك الرجل وأسأله عن نصيحته، فسأله، فأبى أن يخبره وقال: هي سر من أسرار الخليفة، فأخبره هرثمة فقال له الرشيد: لا يبرح هذا الباب حتى أفرغ له. فلما كان في الهاجرة وانصرف من كان عنده دعا به فقال: أخلني، فالتفت هارون إلى فتيته فقال: انصرفوا يا فتيان، فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه، فنظر إليهما الرجل فقال الرشيد: تنحيا عنا، ففعلا، ثم أقبل [على] الرجل فقال: هات ما عندك، قال: على أن تؤمنني، قال: على أن أؤمنك وأحسن إليك، قال: كنت بحلوان في خان من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف وكساء صوف أخضر غليظ وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ويرحلون إذا رحل ويكونون منه برصد يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه ومع واحد منهم منشور يأمن به أن تعرض لهم؛ فقال: تعرف يحيى بن عبد الله قال: نعم أعرفه قديماً وذلك الذي حقق معرفتي له بالأمس، قال: فصفه، قال: مربوع أسمر رقيق البشرة أجلح حسن العينين عظيم البطن، قال: صدقت هو ذاك، فما سمعته يقول قال: ما سمعته يقول شيئاً غير أني رأيته يصلي ورأيت غلاماً من غلمانه أعرفه قديماً جالساً على باب الخان، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع الجبة والصوف فقال له: أحسن الله جزاك وشكر سعيك، فمنأنت قال: رجل من أفناء هذه الدولة وأصلي من مرو ومولدي ببغداد، قال: فمنزلك بها قال: نعم، فأطرق ملياً ثم قال: كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي قال: أبلغ في ذلك حيث أحب أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجع، فدخل حجرة كانت خلف ظهره فأخرج كيساً فيه ألفا دينار فقال: خذ هذه ودعني وما أدبر فيك، فأخذها وضم عليه ثيابه ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعوا ابن اللخناء، فصفعوه نحواً من مائة، ثم قال: أخرجوه إلى من بقي من الدار وعمامته في عنقه وقولوا: هذا جزاء من يسعى ببطانة أمير المؤمنين وأوليائه، ففعلوا ذلك وتحدثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما ألقي إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان وكان الحسن بن علي بن عيسى يقول: الشره قتل جعفر بن يحيى، فقيل له: إن الناس يقولون إن ذنبه أمر بعض أخوات الرشيد، فقال: هذا من رواية الجهال، من كان يجسر على الرشيد إنما كان جعفر من حاز ضياع الدنيا لنفسه، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة ولا بستان إلا قيل: هذا لجعفر، فما زال ذلك حتى جنى على نفسه بأن وجه بعض الطالبيين في يوم نوروز من غير أن يكون قد أمره بقتله، فاستحل بذلك دمه؛ وقيل: أرادت البرامكة إظهار الزندقة وإفساد الدولة فقتلهم لذلك حدث داود بن الجراح قال: قال لي الفضل بن مروان: كنت أعمل في أبواب ضياع الرشيد الحساب، فنظمت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة فوجدت ثمن هدية دفعتين من مال الرشيد أهداهما إلى جعفر بن يحيى بضعة عشر ألف دينار، وفيه بعد شهور من هذه السنة ثمن نفط وقطن برسم حرق جثة جعفر درهم ونصف. وكان جعفر طويل العنق؛ حكي أن الرشيد قام من مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجره، وأن جعفراً أسرع فرفع له الستر، وإن الرشيد تأمل عنقه فقال له: ما تتأمل مني أمير المؤمنين فقال: حسن عنقك، فقال: لا والله ما تأملت مني إلا موضع سيفك منها، فقال له: أعيذك بالله من هذاالقول، واعتنقه وقبله؛ فلما قتله بعد ذلك قال للفضل بن الربيع: قاتل الله جعفراً، وذكر هذا الخبر وقال: والله ما تأملت عنقه إلا لموضع السيف منها. ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال: هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه. وأتاه وهو يبني داره هذه، وإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال: إنك تغطي الذهب بالفضة، فقال له جعفر: ليس في كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح، ولكن هل ترى عيباً قال: نعم، مخالطتها دور السفل والسوقة وقال إسحاق بن سعد القطربلي: أخبرني أبو حفص عمر بن فرج قال: انصرفت مع عمرو بن مسعدة يوماً من الشماسية والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة، فلما صرنا بازاء قصر جعفر بن يحيى قال عمرو: يا أبا حفص، سرت أنا وجعفر يوماً كمسيرنا هذا، فلما نظر إلى البناء قال لي: يا أبا الفضل إني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي ولكن قلت إن بقي فهو قصر جعفر، وإن شره السلطان إليه في وقت من الأوقات فهو قصر جعفر، وإن مضت عليه الأيام فإنما يقال: قصر جعفر، ويبقى لي اسمه وذكره، وربما مر عليه بعض من لنا عنده معروف فترحم علينا. ثم قال عمرو: فوالله لكأن جعفراً كان ينظر إلى ما آلت إليه الحال فيه. ولما مضت ثلاثة أيام من قتل الرشيد جعفراً، قال الرشيد لمسرور: ما كان جعفر يصنع لما أخذته قال: كان يلعب بالشطرنج ويشرب وعنده جبريل ابن بختيشوع الطبيب، قال: فما قال حين مسه حد السيف قال: سمعته يقول: أهون بها من قتلة ولا سيما إذا كانت في طاعة الله، فقال الرشيد: ويلي على ابن الفاعلة، أراد أن يوهم أني قتلته في هوى نفسي، لا بل في طاعة الله واختصم إليه رجلان فقال لأحدهما: أنت خلي وهذا شجي، فجوابك يجري على برد العافية وجوابه يجري على حر المصيبة. ورفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيهل قصد إياه بأمل طويل ورجاء فسيح، فوقع على ظهرها: هذا يمت بحرمة الأمل وهي أقرب الوسائل وأثبت الوصائل، فليعجل له من ذلك عشرون ألف درهم، وليمتحن ببعض الكفاية، فإنوجدت عنده فقد ضم إلى حقه وإلى حرمته حرمة، وإن قصر عن ذلك فعلينا معوله وإلينا موئله وفي مالنا سعة له. ورفع رجل إليه يسأله الاستعانة، وكان يعرفه ويخبره، فوقع على ظهر رقعته: قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر ووقع على رقعة لمحبوس: إن العدوان أوبقه والتوبة تطلقه ولما ولي جعفر بن يحيى خراسان، دخل عليه أشجع السلمي فأنشده وذكر خروجه: أتصير يا قلب أم تجزع ... فإن الديار غداً بلقع إلى أن بلغ فيها: تريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع وكان يقول: من تسبب إلينا بشفاعة في عمل فقد حل عندنا محل من نهض بغيره، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا [ووقع] في قصة محبوس: لكل أجل كتاب. (آيا صوفيا: ٨٤ ب ٨٨ ب)