page 428, entry [194]Open original source
(ترجمة جعفر الصادق، رقم: ١٣١، ص: ٣٢٨، س: ٥) قال الهيثم: حدثني بعض أصحاب جعفر الصادق قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال: يابني أقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيداً وتمت حميداً؛ يا بني إنه من [قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض] (١) بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه؛ يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل التهم أتهم؛ يا بني قل الحق لك وعليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال؛ يا بني إن طلبت الجود فعليك بمعادنه. قال أبو الحسن المدائني: بعث أبو جعفر المنصور إلى جعفر بن محمد فأتاه فقال: إني أريد أن أستشيرك في أمر؛ قد رأيت إطباق المدينة على ختري وقد تأنيت بهم مرة بعد أخرى ولا أراهم ينتهون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يجمر نخلها ويغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال: ما بالك لا تتكلم قال: يا أمير المؤمنين إن سليمان بن داود أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف قدر فغفر، وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويصفحون، قال: فطفئ غيظه. ويقال إن سليمان بن علي عم المنصور أخذ غلاماً لجعفر فكتب جعفر إليه: أيها الأمير إن الإنسان ينام على الشك ولا ينام على الحرام، فإما أن رددت غلامي وإلا عرضت أمرك على الله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فرده عليه. واشتكى (٢) ابن لجعفر فاشتد جزعه عليه ثم أخبر بموته فسري عنه، فقيل له في ذلك فقال: إنا ندعو الله فيما نحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف فيما أحب. وقيل له: ما بلغ من حبك له قال: كان يسرني ألا يكون لي ولد غيره فيشركه في حبي له؛ وفضله اشهر من أن يذكر.[وكان (١) المنصور أراد إشخاصه إلى العراق معه عند مسيره إلى المدينة فاستعفاه من ذلك فلم يعفه، فاستأذنه في المقام بعده أياماً ليصلح أموراً مختلفة، فأبى عليه، فقال له جعفر: سمعت أبي يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أن الرجل ليبقى أمله وينقضي أجله فليصل رحمه فيزداد في عمره، قال: اله، لقد سمعت ذلك عن أبيك عن جدك عن رسول الله ﷺ قال: اللهم نعم، فأعفاه من الشخوص وأقره بالمدينة وأجازه ووصله. وقيل إن المنصور وجه في إشخاص جعفر قبل قتل محمد بن عبد الله، فلما صار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال: اللهم بك استفتح وبك استنجح وبمحمد ﷺ أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم سهل لي حزونته ولين لي عريكته وأعطني من الخير ما أرجو واضرب عني من الشدة ما أخاف وأحذر؛ قال: فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبره وغلفه بيده وصرفه إلى منزله، وإنما أشخصه ليقتله. وقال له وسأله عن محمد ابن عبد اله فقال: أقول ما عندي (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) ، فقال المنصور: في دون هذا القول منك كفاية، وسجد شكراً لله] . (٣٥) (ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص: ٣٦٦، س: ١٨) (٢) وعشق جميل بثينة وهو غلام صغير، فلما كبر خطبها فرد عنها، فقال الشعر، وكان يأتيها سراً، ومنزلها وادي القرى، فجمع له قومها ليأخذوه إذا أتاها، فحذرته بثينة فاستخفى وقال: ولو إن ألفاً دون بثينة كلهم ... غيارى وكل منهم مزمع قتليلحاولتها إما نهاراً مجارهاً ... وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بجذام وهي قبيلة من اليمن، فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، فانصرف إلى بلادها، وكان يختلف إليها سراً. [وكان لما هدر السلطان دمه ضاقت عليه الأرض بما حبت] (١) ، وكان يصعد بالليل على قور رمل فيتنسم الريح من عوارض بثينة، حتى إذا تهور الليل ومل الوقوف أنشد: أبا ريح الشمال أما تريني ... أذوب وأنني بادي النحول هبي لي شمة من ريح بثنٍ ... ومني بالهبوب على جميل وقولي يا بثينة حسب نفسي ... قليلك أو أقل من القليل وينصرف مع الفجر، قال: وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران، فيقلن لها: أتقي الله فهذا من عمل الشيطان. وحدث (٢) عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته، فتعاتبا ساعة فقالت له: ويحك يا جميل تزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح قال: فأطرق طويلاً يبكي ثم قال: بل أنا القائل: ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى عليّ كلامها فقالت: وما حملك على هذه المنى أو ليس في سعة العافية ما كفانا وكان (٣) تربة بن الحمير رحل إلى الشام فمر ببني عذرة فرأته بثينة فجعلتتنظر إليه، فشق ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر على حبه لها، فقال له جميل: من أنت قال: أنا توبة بن الحمير، قال: هل لك إلى الصراع قال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورسة فاتزر بها ثم صارعه، فصرعه جميل، ثم قال: هل لك في السباق قال: نعم، فسابقه جميل، فقال له توبة: يا هذا إنك إنما تفعل هذا بروح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا إلى الوادي، فهبطا وانطلقت بثينة راجعة، فصرعه توبة وسبقه فقال: يا جميل، أخبرتك أنك لا تقوم لي وأنك بروحها غلبتني. وقال (١) الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفه أعرابي في شملة بالبادية وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق قلت: لا أدري، قال: قد أجلتك فيه حولاً، فقلت: لو أجلتني حولين ما علمت، قال: قول جميل: ألا أيها الركب النيام ألا هبوا (٢) ... هذا أعرابي في شملة، ثم قال: أسائلكم (٣) هل يقتل الرجل الحب ... كأنه والله من مخنثي العقيق. وحدث (٤) الزبير بن بكار عن رجل من العرب قال: دخلت حماماً بمصر يقال له حمام القر فإذا برجل لم أر من خلق الله رجلاً أحسن منه فظننته قرشياً فأعظمته وسألته من هو فقال: أنا جميل بن عبد الله، قلت: أصاحب بثينة فضحك وقال: نعم والله لأراها ستغلب على نسبي كما غلبت على عقلي، قلت له: قد ملأت بلاد الله تنويها بذكرها، وصار اسمها لك نسباً. والله إني لأظنها حديدة العرقوب دقيقة الظنبوب كثيرة وسخ المرفق [فضحك حتى استلقى] (٥) .(٣٦) (ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص: ٣٦٩، س: ١٩) (١) قال سهل بن سعد الساعدي أو ابنه عياش: لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل، فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه، وما يخيل إليّ أن الموت يكرثه، فقال: ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمراً ولم يقتل نفساص حراماً قط، يشهد أن لا إله إلا الله قلت: أظنه والله قد نجا، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرين سنة تنسب ببثينة، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها لريبةٍ قط. فما قمنا حتى مات.فراغ