page 788, entry [604]Open original source
٥٣٧ - العبدىّ النحوىّ [٢] نسبته أشهر من اسمه، وقد ذكرته فى باب «أحمد بن بكر» «٤»، وكنيته أبو طالب. فاضل فى هذا الشأن، صحب أبا علىّ الفارسىّ النحوىّ وأخذ عنه، وحضر مجلس أبى سعيد السّيرافىّ، واستفاد منه. وكان اختصاصه بأبى علىّ وانتسابه إليه أكثر، وتعصّبه له أوفر. أخذ عن أبى علىّ جل ما عنده.وكان وطئ العبارة، حسن الغوص، جميل التصنيف، اعتنى بكتاب شيخه أبى علىّ، وهو الكتاب المسمى بالعضدىّ «١»، وهو: الإيضاح، والتكملة، وشرحه شرحا كافيا شافيا، أتى فيه بغرائب من أصول هذه الصّناعة، وحقّق أماكن؛ حتى يقال: إنه شرح كتاب أبى علىّ بكلام أبى علىّ؛ لكثرة اطّلاعه على كتبه وفوائده. وإذا أنصف المنصف، وأجمل النظر، واطّرح الهوى رأى أن كلّ من تعرّض لشرح هذا الكتاب إنما اقتدى بالعبدىّ وأخذ منه، وإن غيّر الألفاظ فيما خرج عن القصد الذى قصده. وكنت قد سألت عالمين بهذا الشأن عن كتاب العبدىّ وكتاب الجرجانىّ «٢» فى شرح الإيضاح، فسكتا مليّا وقال أحدهما: قد سمّى الجرجانىّ كتابه المقتصد، وهو كما سمّاه؛ فإنّ فوائده مختصرة. وقال الآخر: أحسن العبدىّ فى الكلام على العوامل، وقصّر فيها الجرجانىّ، وأحسنا فى التصريف، وكلام الجرجانىّ أبلغ وأبسط. وكان العبدىّ ﵀ قد أدركه خمول الأدب، ولم يحصل [له] من السمعة ما حصل لابن جنّى والرّبعىّ. وكان كثير الشكوى لكساد سوقه وسوق الأدب فى زمانه. قال العبدىّ: وعهدى بنفسى حاضرا مجلس هذا الشيخ- يعنى أبا علىّ- وهناك من يقرأ كتاب سيبويه، دون غيره من المتوسّطات ثلاثون رجلا وأكثر؛ ما فيهم إلا من يطلق عليه اسم العامل، ثم ما يحسنونه من اللغة والشعر غيرمذكور، ومجلس الشيخ أبى سعيد الحسن بن عبد الله السيرافىّ وعدد أهل المجلس ومن معنا السبّق للقراءة يزيدون على المائة، ومجلس الشيخ أبى الحسن على بن عيسى النحوىّ جميع أهل السنة ﵀، رحمنا [الله] وأعاننا على إصلاح ديننا، وجعل ذلك خالصا لوجهه. وهأنذا فى زمان لا أفتح عينى على طالب علم تحقيقا سوى اثنين أو ثلاثة. ولم يكن للعبدىّ ﵀ أنسة بشىء من العلوم القديمة؛ ودليل ذلك أنه لما عاب كتاب الأصول لابن السراج «١» قال: أفسده بالتّقسيمات الهندسية، والهندسة لا تقسيمات فيها، وإنما التّقسيم والترتيب وتعريف الأجناس والأنواع والخاصة والفصل والعرض ... إلى أمثال ذلك من ألفاظ أهل المنطق فيما فوق الهندسة والمنطق. وإنما كان متعب الخاطر فى معرفة العبارة العربية؛ غير مشتغل بسواها، فلا جرم أنه أجادها. ومن العجب أنه كان يحضر مجلس أبى الحسن على بن عيسى الرمانى، وكان عالما بالمنطق مستعملا له فى عبارته النحوية والكلامية وما استفاد منه ما يفرق به بين التقسيم المنطقىّ والهندسىّ. عاش العبدىّ إلى قريب سنة عشرين وأربعمائة- فيما قيل- والله أعلم.