page 607, entry [2570]Open original source
٢٤٧٩ - عبد الرحمن بن عبد المؤمن بن عبد الملك: القاضي تقي الدين بن جمال الدين بن رشيد الدين، الهوريني، القاهري الشافعي، نزيل المدينة وقاضيها، والد النور علي الآتي، والد شيختنا أم هانئ بنت نور الدين علي وسبطة الفخر القاياتي وأم السيف الحنفي وإخوته، ولد في سادس صفر سنة أربع وتسعين وستمائة، وسمع من الحجار ووزيره: الصحيح، وولي قضاء المدينة النبوية في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ثم سافر منها إلى القاهرة مع الحجاج في السنة التي تليها، ليقدح عينيه، لكونه كف بصره ثم يعود، فلم يتهيأ له، وعزل بالبدر حسن بن أحمد القيسي في سنة ثمان وأربعين، ثم أعيد بعد نحو عشر سنين في سنة تسع وخمسين، واستمر حتى مات، قال ابن فرحون: هو شيخ الإمام العلامة، ولي القضاء والخطابة والإمامة بالمدينة: الشرف الأميوطي، وقدمها في ذي الحجة سنة خمس وأربعين، وكان من قضاة العدل، انتهت إليه الرياسة، والعقد ذو السياسة مع العلم الغزير، والعقل الراجح الذي ليس عليه مزيد، لم يرق المنبر أحسن منه صورة وشكالة وشيبة مع الهيبة العظيمة والقيام في الحق والنصرة للشرع، واستنابني في الحكم عنه، فسست الناس وسددت الأحكام وجريت على الصلح، فمال إليّ أهل المدينة لا سيما وكنت لا آخذ شيئا في حكم ولا بيوت ولا وراثة، بل ربما أعطي من أتحقق ضرورته من الغرماء فأعرضوا عن قضاة الإمامية واعتزلوهم، وتركوا المحاكمة عندهم، وتألموا من هذا بحيث اجتمعوا بالأمير طفيل، وشكوا عليه انقطاع رزقهم بسبب ما كانوا يأخذونه في ذلك من الأخصام، فقال لهم: إذا سكت عنكم وعن أحكامكم فلا تطلبون منه غيره، وكذا قال لي القاضي نجم الدين مهنا بن سنان (وكان أعلمهم وأرأسهم) قطعت رزقنا، ولم يزل ذلك دأبي معهم حتى ماتوا وهم أحياء، ثم أن صاحب الترجمة كف بصره في أثناء السنة بسبب ماء نزل في عينيه، فسافر إلى مصر مع الحجاج ليقدحهما ويعود، واستمريت نائبا عنه في سنة سبع وأربعين، وشددت على الإمامية في نكاح المتعة ونكلت بفاعلها، وحملت الناس على مذهب مالك وأخمدت نار البدعة وأظهرت نور السنة وعزرت من تكلم في الصحابة، فلم يزد الناس إلا طاعة وإقبالا، وأقام القاضي بمصر يعالج عينيه، فسعى عليه صهره الشرف الأميوطي وهو البدر حسن، فعزل مع أن صاحب الترجمة كان يحب الإقامة بالمدينة رغبة في الوفاة بها، فلم ترجع إليه صحة عينيه حتى خرج عنه المنصب، فلما كان في حادي عشر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين أعيد بعد انفصال شمس الدين بن السبع، واستمر على عادته في فصل الأحكام وسياسة الأنام، مقبلا علىالعبادة والاشتغال بما يقربه من الله تعالى، وجريت معه على العادة في نيابة الحكم، وحاول الأمير جماز، وكان استقر هو وإياه في هذه الولاية في وقت واحد-رجوع الإمامية إلى ما كانوا عليه، وأذن ليوسف الصيرفي في الحكم بين الغرماء. فظهرت كلمتهم، وارتفعت رؤوسهم، وكان ذلك سببا لقتله، كما سبق في ترجمته، قلت: وقد روى عنه الزين أبو بكر المراغي بالإجازة، وقال ابن صالح: إنه كانت غيبته بعد ولايته الأولى: قدر عشر سنين، وكان يسأل الله رجوعه إلى المدينة ليموت بها، ويسأل من يعتقده من الناس في الدعاء له بذلك، فأجيبوا، ورد إلى المدينة وبلغ مقصوده، وجاء معه ولده القاضي نور الدين علي، فهنأته بقصيدة وسردها وأولها: يا أيها القاضي السعيد، لك الهنا … بالعود نحو المصطفى المزمل واستمر حتى مات في أول سنة ستين وسبعمائة بالمدينة، واستقر بعده التاج محمد بن عثمان الكركري، وذكره المجد فقال: ولي قضاء المدينة في عام خمس وأربعين، فوردها بعلم غزير وفضل كثير وعقل مدبر ورياسة تصعد إلى الفلك الأثير وهيبة ترعب الجاهل الغرير ويتأدب معها العاقل الكبير ونصرة للشرع حيث لا معين ولا نصير وقيام في الحق ببأس يخضع له الفطن البصير، مع الشكالة الصبيحة والشيبة المليحة واللهجة الفصيحة، واستناب في الحكم القاضي بدر الدين بن فرحون، فقام به قياما صفى الملحون وصحح الملحون، وأحال على وادي الإغاثة سيحون وجيحون، ثم أن القاضي تقي الدين أصيب ببصره بماء نزل عليه، فتوجه إلى الديار المصرية ليقدح عينيه، فسعى إليه فعزل وأضعف جل أمله عن العود إلى المدينة وهزل، واستمر منفصلا إلى شهور سنة تسع وخمسين، فهبت نسمة سعد أراحت عليه بكتاب التقنين والتعيين، فأعيدت إليه الولاية ثانيا وصار لمجاني الأمانة بيد الظفر حاسيا، ووصل إلى المدينة، فجاء الأمير جماز واستقر على عادته في الولاية محفوفا بالإكرام والإعزاز، مزاح الهموم منفي الأحزان مراح الكرب، مقبلا على الطاعة مشتغلا بالعبادة وما يتوسل به إلى الله من القرب، ذكره شيخنا في درره.