page 1705, entry [2321]Open original source
١٥٩٥ ـ عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب السهمى المكى، أبو محمد: أسلم قبل أبيه، وكان عالما متعبدا. روى الحديث فأكثر، وروى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم.قال أبو أمامة: مر ابن العاص على رسول الله ﷺ، وهو مسبل إزاره، مسبل جمته: فقال: نعم الفتى ابن العاص. لو شمر عن مئزره وقصر من لمته. فقال: فحلق رأسه أو قصر، ورفع إزاره إلى الركبة. وقال عبد الله: دخل رسول الله ﷺ بيتى هذا، فقال: «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار؟ » قلت: إنى لأفعل، فقال: «إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله» قلت: يا رسول الله، إنى أجد قوة، وإنى أحب أن تزيدنى. قال: «سبعة أيام». فجعلت أستزيده ويزيدنى، يومين يومين، حتى بلغ النصف. فقال: «إن أخى داود، كان أعبد البشر، وإنه كان يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر، إن لأهلك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا». قال: وكان عبد الله بعدما كبر وأدركه السن، يقول: لئن كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ، أحب إلىّ من أهلى ومالى. وقال عبد الله: جمعت القرآن، فقرأت به ليلة. فقال رسول الله ﷺ: «اقرأه فى شهر» قلت: يا رسول الله، دعنى أستمتع من قوتى وشبابى، قال: «اقرأه فى عشرين». قلت يا رسول الله، دعنى أستمتع من قوتى وشبابى. قال: «اقرأه فى عشر». قلت: يا رسول الله، دعنى أستمتع من قوتى وشبابى. قال: «اقرأ فى سبع ليال». قلت: يا رسول الله، دعنى أستمتع من قوتى وشبابى، فأبى (١). وقال عبد الله: رأيت فيما يرى النائم، كأن فى إحدى أصابعى سمنا، وفى الأخرى عسلا، فأنا ألعقهما، فلما أصبحت، ذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال: «تقرأ الكتابين، التوراة والفرقان» (٢) فكان يقرأهما.وقال: كنت يوما مع رسول الله ﷺ فى بيته، فقال: «أتدرون من معنا فى البيت؟ ». قلت: من يا رسول الله؟ . قال: «جبريل» فقلت: السلام عليك يا جبريل ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله ﷺ: «إنه قد رد عليك». قال: حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل. وقال أبو هريرة: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ، من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده، واستأذن رسول الله ﷺ أن يكتب ما سمع منه، فأذن له، وكان يكتب بيده ويعى بقلبه، وإنما كنت أعى بقلبى. وقال مجاهد: أتيت عبد الله بن عمرو، فتناولت صحيفة تحت فرشه، فمنعنى. قلت: ما كنت تمنعنى شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة. هذه ما سمعت من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ليس بينى وبينه أحد، إذا سلمت لى هذه، وكتاب الله، والوهط، فما أبالى ما كانت عليه الدنيا. وقال: لخير أعمله اليوم، أحب إلىّ من مثليه مع رسول الله ﷺ، لأنا كنا مع رسول الله ﷺ، تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا، وإنا اليوم قد مالت بنا الدنيا. وقال: لو تعلمون حق العلم، لسجدتم حتى تتقصف ظهوركم، ولصرختم حتى تنقطع أصواتكم، فابكوا، فإن لم تجدوا البكاء فتباكوا. وقال يعلى بن عطاء، عن أمه، أنها كانت تصنع الكحل لعبد الله بن عمرو؛ وأنه كان يقوم بالليل، فيطفئ السراج، ثم يبكى، حتى وسعت عيناه. وقال عبد الله: لأن أدمع دمعة من خشية الله تعالى، أحب إلىّ من أن أتصدق بألف دينار. وقال سليمان بن ربيعة: إنه حج فى عصابة من قراء أهل البصرة، فقالوا: والله لا نرجع أو نلقى أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ مرضيّا، يحدثنا بحديث. فلم نزل نسأل، حتى حدثنا أن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما نازل فى أسفل مكة، فعمدنا إليه، فإذا نحن بثقل عظيم، يرتحلون ثلاثمائة راحلة: منها مائة راحلة، ومائتا زاملة. فقلنا: لمن هذا الثقل؟ . فقالوا: لعبد الله بن عمرو. فقلنا: هذا كله له؟ ـ وكنا نتحدث أنه من أشد الناس تواضعا ـ فقالوا: أما هذه المائة راحلة، فلإخوانه، يحملهم عليها وأما المائتان، فلمن ينزل عليه من أهل الأمصار ولأضيافه، فعجبنا من ذلك. فقالوا: لا تعجبوا من هذا! فإن عبد الله رجل غنى، وإنه يرى حقا عليه، أن يكثر من الزاد لمن نزل عليه منالناس، فقلنا: دلونا عليه. فقالوا: إنه فى المسجد الحرام، فانطلقنا نطلبه، حتى وجدناه فى دبر الكعبة، جالسا بين بردتين وعمامة، وليس عليه قميص، قد علق نعليه فى شماله. وقال ابن شهاب: سأل عمرو بن العاص عبد الله ابنه. ما العى؟ قال: إطاعة المفسد وعصيان المرشد. قال: فما البله؟ قال: عمى القلب وسرعة النسيان. وقال ابن أبى مليكة: كان عبد الله بن عمرو يأتى الجمعة من المغمس فيصلى الصبح. ثم يرتفع الحجر، فيسبح ويكبر حتى تطلع الشمس، ثم يقوم فى جوف الحجر. فيجلس إليه الناس. وقال عبد الله: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة، أحب إلىّ من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا، يقول: يتصدق يمينا وشمالا. وقال: من سقى مسلما شربة ماء، باعده الله من جهنم شوط فرس. وقال: كان يقال: دع ما لست منه فى شئ، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك بخزن ورقك. وقال: إن فى الناموس الذى أنزل الله تعالى على موسى ﵇: إن الله تعالى يبغض من خلقه ثلاثة: الذي يفرق بين المتحابين، والذي يمشى بالنمائم، والذي يلتمس البرئ ليعيبه. وقال له رجل: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال: ألك امرأة تأوى إليها؟ قال: نعم. قال: أفلك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فلست من فقراء المهاجرين، فإن شئتم أعطيناكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان. فقالوا: نصبر ولا نسأل شيئا. وقال: ألا أخبركم بأفضل الشهداء عند الله ﵎ منزلة يوم القيامة، الذين يلقون العدو وهم فى الصف، فإذا واجهوا عدوهم، لم يلتفت يمينا ولا شمالا، واضعا سيفه على عاتقه، يقول: اللهم إنى اخترتك اليوم فى الأيام الخالية، فيقتل على ذلك، فذلك من الشهداء الذين يتلبطون الغرف العلى من الجنة حيث شاءوا. وقال إسماعيل بن رجاء عن أبيه: كنت فى مسجد الرسول ﷺ فى حلقة فيها أبو سعيد الخدرى، وعبد الله بن عمرو، رضى الله عنهم، فمر بنا الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، فسلم فرد عليه القوم. فسكت عبد الله بن عمرو حتى فرغوا، ثم رفع عبد الله صوته، فقال: وعليك رحمة الله وبركاته، ثم أقبل على القوم، فقال: ألا أخبركمبأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى. قال: هو هذا الماشى، ما كلمنى كلمة منذ ليالى صفين، ولأن يرضى عنى، أحب إلىّ من أن يكون لى حمر النعم. فقال أبو سعيد: ألا تعتذر إليه. قال: بلى. فتواعدا أن يغدوا إليه. فغدوت معهما. فاستأذن أبو سعيد، فأذن له، فدخل. ثم استأذن لعبد الله بن عمرو، فلم يزل به حتى أذن له، فلما دخل، قال أبو سعيد: يا ابن رسول الله ﷺ، إنك لما مررت أمس. فأخبروه بالذى كان من قول عبد الله، فقال له حسين: أعلمت يا عبد الله أنى أحب أهل الأرض إلى أهل السماء، قال: إى ورب الكعبة، قال: فما حملك على أن قاتلتنى وأبى يوم صفين، فو الله لأبى كان خيرا منى. قال: أجل. ولكن عمرو شكانى إلى رسول الله ﷺ: إن عبد الله يقوم الليل ويصلى النهار، فقال لى رسول الله ﷺ: «يا عبد الله، صل، ونم، وأفطر، وأطع عمرا». فلما كان يوم صفين، أقسم علىّ. فخرجت، أما والله ما كثرت لهم سوادا. ولا اخترطت لهم سيفا، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم. وقال ابن أبى مليكة: قال عبد الله بن عمرو: ما لى ولصفين، مالى ولقتال المسلمين، لوددت أنى مت قبله بعشرين سنة. أما والله على ذلك، ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم. وقال حنظلة بن خويلد العنزى: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان فى رأس عمار، ويقول كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله: ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية: ألا تغنى عنا مجنونك يا عمرو؟ فما بالك معنا. فقال: إن أبى شكانى إلى رسول الله ﷺ، فقال لى رسول الله ﷺ: «أطع أباك مادام حيّا ولا تعصيه» (٣). فأنا معكم ولست بمقاتل. وتوفى عبد الله بن عمرو بمصر، سنة خمس وستين، وقيل بمكة. وقيل بالطائف. وقيل بالشام. وله اثنتان وسبعون سنة، رضى الله عنه وأرضاه.