page 2745, entry [4564]Open original source
[مدائح أبي تمّام فيه] ومن مكارمه العظيمة أنّه لمّا فتح عمّوريّة قال فيه حبيب بن أوس الطائي الشاعر [البسيط]: يا يوم وقعة عمّوريّة انصرفت ... عنك المنى حفّلا معسولة الحلب (٢) لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على غرب وكرّر إنشادها ثلاثة أيّام، فقال له: كم تجلو علينا عجوزك؟ قال: حتّى أستوفي مهرها، يا أمير المؤمنين. فأمر له باثنين وسبعين ألف درهم، عن كلّ بيت ألف درهم فضّة. ومن كرمه الخارج عن الحدّ أنه أقطع مدينة الموصل لحبيب المذكور، وهذا شيء لم يتقدّمه إليه أحد. وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون. وكان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب. واتّفق أنّه مات غلام للمعتصم كان معه في الكتّاب يتعلّم معه، فقال له أبوه هارون [١٨٥ ب] الرشيد: يا محمد، مات غلامك؟ فقال: نعم يا سيّدي، واستراح من الكتّاب! فقال الرشيد: وإنّ الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟ دعوه إلى حيث انتهى، لا تعلّموه شيئا. فلذلك كان أمّيّا، كان يكتب كتاب [ة] ضعيف [ة] ويقرأ قراءة ضعيفة. ولمّا خرج ملك الروم وأوقع بمن أوقع كتب كتابا إلى المعتصم يتهدّده، فأمر بجوابه. فلمّا قرئ عليه الجواب لم يرضه وقال للكاتب: اكتب: باسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك. والجواب ما ترىلا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٤٢]. ولمّا تجهّز المعتصم لغزو عمّوريّة حكم المنجّمون على ذلك الوقت أنّه لا يرجع من غزوة، فإن رجع كان مفلولا خائبا لأنّه خرج في وقت نحس، فكان من فتحه العظيم وظفره ما كان. فقال أبو تمّام في ذلك قصيدة أوّلها [البسيط]: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية، أم أين النجوم، وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟ تخرّصا وأحاديثا ملفّقة ... ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب عجائبا زعموا الأيّام مجفلة ... عنهنّ في صفر الأصفار أو رجب وخوّفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربيّ ذو الذنب وصيّروا الأبرج العليا مرتّبة ... ما كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها، وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب لو بيّنّت قطّ أمرا قبل موقعه ... لم تخف ما حلّ بالأوثان والصلب وقال يحيى بن معاذ: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم، وهو يريد بلاد الروم، فمرّرنا براهب في صومعة، فوقفنا عليه فقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمّوريّة؟ فقال: لا، إنّما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا. فأتينا المعتصم فأخبرناه، فقال: أنا والله صاحبها: أكثر جندي أولاد زنا، إنما هم أتراك وأعاجم. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت المعتصم يقول: إذا لم يعدّ الوالي للأمور أقرانها قبل نزولها أطبقت عليه ظلم الجهالة.