page 2737, entry [4555]Open original source
[محنة ابن حنبل] وفيها امتحن المعتصم الإمام أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بأن يقول: القرآن مخلوق- فلم يجب إلى القول بخلقه. وكان المأمون قد امتحن الناس بذلك- وطلب الإمام أحمد، وأمر بحمله إلى طرسوس، فحمل ومحمد بن نوح مقيّدين زميلين من بغداد إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون فردّا في قيودهما، فمات محمد بن نوح بعانات، وصار أحمد إلى بغداد وهو مقيّد، فمكث في السجن ثمانية وعشرين شهرا. ثمّ أحضر إلى المعتصم فكلّمه في القول بخلق القرآن فأبى فخلع وسحب. [١٨٠ ب] وقال: أنا علمت علما ولم أعلم فيه بهذا (١). فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه، منهم عبد الرحمن بن إسحاق وغيره. فامتنع من القول، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته! فقال له: شأنك! فقال له إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل عليك به ملك أو علمته من الرجال؟ قال: بل علمته شيئا بعد شيء. قال: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ قال: بقي عليّ. قال: فهذا ممّا لم تعلمه، وقد علّمكه أمير المؤمنين. فاستدلّ أحمد بقول الله تعالى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]. فقال: إن يكن القول من الله، فالقرآن كلام الله تعالى، فقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] قد فرّق بين الخلق والأمر. وقال أيضا: أسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق، فهو كافر. ومن زعم أنّ أسماء الله مخلوقة فقد كفر. واستدلّ أيضا بقوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]، فلو كان قوله: «كن» مخلوقا، لاحتاج إلى قول آخر، وذلك القول إلى آخر [١٨٠ ب] فيتسلسل ولا يتحصّل. وكان يقول: أعطوني آية من كتاب الله تعالى أوسنّة عن رسول الله ﷺ حتّى آخذ بها! فقال له القاضي أحمد بن أبي دؤاد: ما تقول في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]؟ قال أحمد: الجعل في القرآن على وجوه، وههنا ليس معناه الخلق، وإنّما معناه: أنزلنا بلسان العرب. قال الله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزهر: ٢٨]، قال ابن عبّاس: غير مخلوق، وقال تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٥]. وطال الكلام بينه وبينهم في ذلك، فلمّا لم يرجع إلى قولهم أنّ القرآن مخلوق، أمر به فخلع (١) وسحب [١٨١ أ]، وجيء بعقّافتين من خشب فأقيم بينهما فتخلّعت يداه، ثمّ قال المعتصم للجلّادين: تقدّموا. فنظر إلى السياط: ائتوا بغيرها. ثمّ قال: تقدّموا. فقال لأحدهم: ائذه! أوجع، قطع الله يدك! فتقدّم فضربه سوطين ثمّ تنحّى. فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد فيضرب سوطين ثمّ يتنحّى، ثمّ جاء وهم محدقون به فقال: ويحك، يا أحمد، ارحم نفسك! أجبني حتى أطلق عنك بيدي! فجعل بعضهم يقول: ويحك، إمامك على رأسك- وجعل عجيف ينخسه بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم! - وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك، الخليفة على رأسك! فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي! فرجع المعتصم فجلس على الكرسيّ ثمّ قال للجلّاد: ادنه! شدّ، قطع الله يدك! - ثمّ لم يزل يدعو بجلّاد بعد آخر فيضربه سوطين ويتنحّى، وهو يقول له: شدّ قطع الله يدك! - ثمّ قام إليه ثانيا فجعل يقول: يا أحمد، أجبني! - فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لأحمد: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة، وابن أبي إسرائيل- وعدّد من أجاب- والمعتصم يقول: ويحك، أجبني! - فجعل أحمد يقول نحوا ممّا كان يقوله لهم. فرجع المعتصم فجلس وقال للجلّاد: شدّ، قطع الله يدك! (قال الإمام أحمد): فذهب عقلي وما عقلت إلّا وأنا في حجرة مطلق عنّي الأقياد- وكان يوم ضرب مقيّدا بأربعة أقياد. ثمّ وجّه المعتصم برجل يعالجه، فنظر إليه فقال: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربا أشدّ من هذا- ثمّ جاء بحديدة وسكّين، فجعل يقطع اللحم بها، وأحمد صابر بحمد الله. فلم يزل مسجونا من خلافة المعتصم وابنه الواثق هارون حتى أخرجه المتوكّل على الله أبو الفضل جعفرابن المعتصم في [ ... ] (٢)