page 2708, entry [4493]Open original source
٣٤٠٨ - ابن الجبّي سيبويه المصريّ [٢٨٤ - ٣٥٨] (٦) محمد بن موسى بن عبد العزيز، أبو بكر، ابن أبي عمران، الكنديّ، المصريّ، الصيرفيّ، الفصيح، المعروف بابن الجبّيّ- بضمّ الجيم وكسر الباء الموحّدة- (٧) ويقال له سيبويه، من ناقلة البصرة. ولد بمصر سنة أربع وثمانين ومائتين. وحفظ القرآن وتعلّم أكثر معانيه وقراءاته وغريبه وإعرابه وإحكامه.وعرف النحو والغريب. وسمع من أبي إسحاق يعقوب المنجنيقيّ، وأبي عبد الرحمن النسائيّ، وأبي جعفر الطحاويّ. وتفقّه بالشافعي، وجالس أبا هاشم المقدسيّ، وأبا بكر محمد بن أحمد الحدّاد وتتلمذ له. وكان يتظاهر بمذهب الاعتزال ويتكلّم على ألفاظ الصالحين. وقال الشعر. روى عنه أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق. وكان صاحب نوادر مستطابة. توفّي في صفر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة عن أربع وسبعين سنة قبل دخول القائد جوهر بستّة أشهر، فتأسّف عليه لما ذكر له من أخباره، وقال: لو أدركته لأهديته إلى الإمام المعزّ لدين الله. وحكي أنّه كان في سوق الورّاقين في جمع كبير، فيهم أبو عمران موسى بن رباح الفارسيّ أحد شيوخ [١٥٨ أ] (١) المعتزلة، فصاح سيبويه يقول: الدار دار كفر! بحسبك أنّه ما بقي في هذه البلدة العظيمة أحد يقول: القرآن مخلوق، إلّا أنا وهذا الشيخ أبو عمران أبقاه الله! فقام أبو عمران يعدو حافيا خوفا على نفسه حتى لحقه رجل بنعله. وبلغ أبا جعفر الطحاويّ انقطاع سيبويه إلى أبي علي الواسطيّ بسبب الكلام فعابه على ذلك ووبّخه، فلمّا انصرف كتب إليه بهذه الأبيات [البسيط]: غاض الوفاء وساءت عشرة الناس ... واستحكم اليأس من مرضيّ جلّاس إلّا صبابة أقوام كأنّهم ... مثل الجواهر في أحجار أرماس فما سبيل من الدنيا تهمّ به ... إلّا وأرجاؤه مخشية البأس أمّا سبيل اطّراح العلم فهو على ... ذي اللبّ أعظم من ضرب على الرأس ٥ فإن سلكت طريق العلم تطلبه ... بالبحث أبت بتكفير من الناس وإن طلبت بلا بحث ولا نظر ... لم تضح منه على إتقان آساس وإن زهدت بلا علم ضللت ولم ... تعرف رشادك من غيّ وإركاس وإن قصدت إلى الدنيا لتؤثرها ... أضعت دينك في نفي وإبساس وإن بقيت بلا علم ولا أدب ... ولا تقى كنت من أشباه نسناس (٢) ١٠ فاسبر لنفسك إذ حال الأمور كذا ... سبر امرئ عالم بالأمر قيّاس واختر لنفسك ما زانت فضائله ... على نواقصه تختر بقسطاس واقصد إلى العلم لا تطلب به بدلا ... فالعلم من أجله كوّنت في الناس وانبذ مقالة من ينهاك عن نظر ... نبذ الطبيب لداء القرحة الآسي فمن يكن ذاهلا في علمه تبعا ... قالوا يكن منه في شكّ وإلباس ١٥ والكتب أحسن ممّن تلك حالته ... حتى تواصل أجناسا بأجناسواطلب بنفسك ما عفّت مكاسبه ... وصان نفسك من ذلّ وإدناس ولا تغرّنّك الدنيا بزينتها ... فإنّها فتنة تتلى بوسواس ** وقال لأبي جعفر في دواة خشب كان يكتب منها ومصلّى: أما آن لهذه الدواة والمصلّى أن يبدلا (١)؟ فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه. فقال سيبويه: ومحبوب لا يستطاع لقاؤه. فقال: هما سيّان. وأخذ شخص عصاه التي يتوكّأ عليها وقلبها فانقلعت منها شظيّة، فقال: «يا أبا بكر، اعذرني! » - وكرّر قوله، فقال له: يا سيّدنا، كم هذا الاعتذار؟ ولو كسرت لي أضلاعا، وقطعت منّي باعا، لما وجب [١٥٨ ب] هذا الاعتذار. ما أنا فيما أقوله عندك إلّا كجالب التمر إلى هجر، أو ناقل الماء إلى النهر، أو مناطق سحبان، أو مساجل معدّ بن عدنان. وجاء مرّة إلى الشريف أبي جعفر مسلّم الحسينيّ (٢) فرحّب به فقال: جئت أيها الشريف في حاجة: أريد قبّة على بغل نقل يحمل جميع آلة السفر من وطاب وغطاء ومستعمل، فإنّي خارج في غد إلى مسجد موسى أصلّي فيه وأدعو. فقال له مسلّم: السمع والطاعة. ما تفتح غدا باب دارك إلّا والجميع على الباب. ثمّ دعا بالفرّاشين فأخذوا ممّا يحتاجون إليه، فقال له سيبويه: وحقّك يا شريف، ما أخرج إلّا للصلاة، والدعاء للمسلمين أن يريحهم الله من هذا الخصيّ الأسود (٣)، فقد كدّر الحياة، وأعاب الولاة، وأفسد الصلاة، وما الله عنه بساه. ثمّ قام منصرفا، فبقي مسلّم مطرقا، وقال لجلسائه: ألا ترون أيّ بليّة ابتليت بها؟ إن أرسلت إليه خفت من الأستاذ، وإن لم أرسل إليه وقعت في لسانه وفي سبّه. فقال له تاجر يعرف بابن البختري: أنا أكفيك وأدعه الساعة يسألك أن لا ترسل إليه بشيء، على شريطة [أن] تعطيني من ديني خمسمائة دينار. فقال: لا، ولكن مائتين، ما في خزانتي وحقّك غيرها. فخرج إلى سيبويه فجلس إليه في المسجد وسكت وهو يتنفّس. فقال له سيبويه: ما لك؟ قال: خير. ثمّ عاد يتنفّس، فقال: ما لك؟ مات لك ولد، أو تفرّق لك عدد؟ أم أصبت في مالك، أو في عقارك؟ فقال: أسألك الدعاء على سلامة الشرابيّ، فإنّه أخذ مالي وهتكني وأفقرني. وكان سلامة من أكابر القوّاد، وهو منصف في المعاملة. فقال له: كفاك الله وأحسن إليك وخلّصك. فقال: يا سيّدي، قد دعوت عليه في كل مسجد، وما يصيبه شيء. وقيل لي: إنّ مسجد موسى الدعاء فيه مستجاب. فقال سيبويه: كذا هو. قال: فبعد أن استعرت دابّة خوّفوني. قال: من أيّ شيء؟قال: في الطريق قوم من بني هلال يقطعو [ن] على الناس الطريق. وما أبالي على ما أؤخذ، فإنّي كنت أمضي في خلق، ولكن عرّفت بشيء. قال: إيش هو؟ قال: يأخذو [ن] ما على الإنسان ويفسقو [ن] به، قد عملوا هذا مع جماعة. فقال: أسألك يا أبا القاسم بما بيني وبينك إلّا بلّغت إلى أبي جعفر مسلّم وقلت له: الحاجة التي سألتك فيها، أخّرها. فقال: أخاف أن لا يقبل منّي. فقام إلى أبي جعفر وقال له: تؤخّر ما سألتك أيّدك الله حتى أرى رأيي. فقال له: قد فرغنا ممّا رسمت وتقدّمنا إلى الطبّاخين بإصلاح ما يصلح لك. قال: جزيت خيرا وكفيت شرّا، ولا عدمك أولياؤك، وكبت أعداؤك! وانضرف. فشكر مسلّم فعل التاجر [١٥٩ أ]. وهجاه بعضهم فقال [السريع]: يفخر بالحبّ وإقناطه ... والحبّ عندي فهو عار عليه من حبّ منكم أن يرى مشركا ... فليتوخّ أن يرى سيبويه فقال آخر ينتصر له: لا حفظ الله ولا حاط من ... قد قال هذا الشعر في سيبويه إذا قال عنه إنّه مشرك ... لقد أتى زورا وإفكا عليه ما كان إلّا رجلا مؤمنا ... وطالبا للعلم ساع إليه (١) ومرّ برجل وقد خرج من الحمّام فقال له: نفعك الله وأعقبك الصحّة! فقال له: كذلك فعل الله بك. فقال الرجل: قال يوحنّا بن ماسويه: أفضل الحمّامات ما تقادم بناؤه، وارتفع سماؤه، وكثر ضياؤه، وعذب ماؤه، وقلّت خطاه. فقال سيبويه: وحضر غداؤه! وركب الأستاذ كافور الإخشيديّ يوما لصلاة الجمعة في مواكبه فسمع صياحا فسأل عنه فقيل: سيبويه. فقال: «استروه عنّي بالدرق! » وهو يصيح: «أبا المسك مدح القطّ خرى في الشعير! لا أعتق الله منك قلامة ظفر! ». ثمّ التفت إلى الناس فقال: حصلنا على خصيّ، وصبيّ، وامرأة لا تدري- يريد بالخصيّ كافورا، وبالصبيّ عليّ بن الإخشيد، وبالمرأة أمّه. وقال مرّة: حصلت الدنيا على أقطع وأقرع وأوقع (٢) - يريد بالأقطع ابن بويه، وبالأقرع ابن حمدان والأوقع كافور. وكان عند أبي جعفر مسلّم ذات يوم فجاءه خادمه سابور فسارّه بشيء فأصغى إليه وترك كلام سيبويه. فقام سيبويه، فقال له مسلّم: إلى أين يا سيّدي، يا أبا بكر؟ فقال: لا تجالس من لا يرى مجالستك رفعة، ولا تحدّثن من لا يرى حديثك متعة، ولا تسألن من لا تأمن منعه، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه. فقال أبو جعفر مسلّم لرجل: الحقه، وقل له: الحاجة تجيئك الساعة، وإلّا قف في الطريق.فلحقه وقال: الشريف معتذر. فقال: يدع حديثي ويقبل على الجمل الأجرب؟ - فسمّي سابور «الجمل الأجرب» إلى أن مات. وبلغ المتنبّي أنّ سيبويه يقع فيه، فمرّ به وهو على باب المسجد، فقال وقد وقف عليه: أيّها الشيخ، قد كنت أحبّ أن أراك. فقال: رعاك الله وأبقاك. فقال: بلغني أنّك أنكرت عليّ قولي [الطويل]: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ فما كان الصواب عندك؟ قال: العداوة ضدّ الصداقة، ولكن لو قلت: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من مداراته بدّ وهذا رجل منّا قد قال [الوافر]: أتاني في قميض اللاذ (١) يسعى ... عدوّ لي يلقّب بالحبيب [١٥٩ ب] فقال المتنبّي: مع هذا غيره؟ قال: نعم: فقلت له: استعملت هذا ... لقد أقبلت في زيّ عجيب (٢) فقال: الشمس أهدت لي قميصا ... مليح اللون من شفق الغروب فثوبي والمدام ولون خدّي ... قريب من قريب من قريب فتبسّم المتنبّي وانصرف، وسيبويه يصيح به. وكان يشبّه في حضور جوابه وخطابه وحسن عبارته وكثرة روايته بأبي العيناء. وكان قد تناول البلاذر فعرضت له منه لوثة. وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول، قال يوما: يا أهل مصر، أصحابنا البغداديّون أحزم منكم، لا يقولون بالولد حتى يتّخذوا له العقد والعدد، فهم أبدا يعتزلون. ولا يقولون باتّخاذ العقار خوفا من أن يملكهم سوء الجوار، فهم أبدا يكترون. ولا يقولون باتّخاذ المهائر (٣) خوف أن تتوق أنفسهم إلى السراريّ، فهم أبدا يتسرّرون. ولا يقولون بإظهار الغنى في مكان غرفوا فيه بالفقر، فيهم أبدا يسافرون. ووقف يوما بالجامع، وقد أخذت الحلق مأخذها، فقال: يا أهل مصر، حيطان المقابر أنفع منكم: يستند بها من التعب، ويستدفأ بها من الريح، ويستظلّ بها من الشمس. والبهائم خير منكم: تمتطى ظهورها، وتحتذى جلودها، وتؤكل لحومها. وكان الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة ربّما رفع أنفه تيها. فقال له سيبويه وقد رآه فعل ذلك: «أشمّ الوزير رائحة كريهة فشمر أنفه؟ » فأطرق. وخرج سيبويه فقال له رجل: من أين أقبلت؟ فقال: من عند الزاهي بنفسه، المدلّ بعرسه- يعني أنّه متزوّج بابنة الإخشيد- المستطيل على أبناء جنسه. واستأذن على الشريف مسلّم فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العبا، ومصّ النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه [به] من نعيمالدنى- يشير إلى أنّ الشريف هكذا كانت حاله، وهو بالحجاز قبل قدومه مصر. وكان الأذكويّ على شرط كافور الإخشيديّ، فوجد عليه سيبويه في بعض الأمر فعزل عن الشرطة فوليها ذكا، فلم يحمد أيضا. فوقف لكافور وهو مارّ إلى الصلاة يوم الجمعة فقال: أيّها الأستاذ، عزلت ظالما وولّيت ظالما قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القفا. فتبسّم ابن برّك البغدادي وكان يساير كافور، فقال: وهذا ابن برّك، خرء مفرّك، لن ينفعك ولن يضرّك. وأخلي الحمّام لمفلح الحسنيّ، فأتى سيبويه ليدخل [١٦٠ أ] فمنع وقيل [له]: الأمير مفلح به. فقال: لا أبقى الله مغسوله، ولا بلّغه سوله، ولا وقاه من العذاب مهوله! وجلس حتى خرج فقال له: إنّ الحمّام لا يخلى إلّا لأحد ثلاثة: مبتلى في قبله، أو مبتلى في دبره، أو سلطان يخاف من شرّه، فأيّ الثلاثة أنت؟ قال: أنا المقدّم. وأحضره أبو بكر بن عبد الله الخازن فقال: قد بلغني بذاء لسانك وقبح معاملتك للأشراف. فاحذر أن تعود فتنالك منّا أشدّ العقوبة! فخرج مستجديا فكان الولدان يتولّعون به ويذكرون الخازن فيشتدّ ذلك عليه وينصرف ولا يكلّمهم. فمرّ به رجل يكنّى أبا بكر من ولد عقبة بن أبي معيط، وغلام قد ألحّ عليه بذلك. فضحك المعيطيّ، فقال الغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب النبيّ ﷺ عنق عقبة بن أبي معيط على الكفر، وضرب ظهر أبيك بالسوط كما ضرب عليّ بأمر عثمان ظهر الوليد بن عقبة على شرب الخمر، وألحقك أنت بالصبية (١)! - يريد قول النبيّ ﷺ، وقد قال له عقبة لمّا أمر عليّا بقتله: من للصبية؟ قال: النار لك ولهم! فانصرف المعيطيّ، وبطن الأرض أحبّ إليه من ظهرها.