page 2681, entry [4403]Open original source
٣٣٢١ - محمد بن مسلمة الأنصاريّ الصحابيّ [- ٤٣] (٣) [١٣٣ أ] محمد بن مسلة بن سلمة بن خالد بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس حليف بني عبد الأشهل، أبو عبد الرحمن- وقيل: أبو عبد الله- الأنصاريّ، الحارثيّ، أحد أصحاب النبيّ ﷺ. شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان إسلامه على يد مصعب بن عمير، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح. ويقال: إنّه هو الذي قتل مرحبا [اليهوديّ] بخيبر (٤). والصحيح أنّ الذي قتل مرحبا عليّ بن أبي طالب ﵁، وهو أحد من قتل كعب بن الأشرف، فقال له النبيّ ﷺ حين نظر إليهم: أفلحت الوجوه. واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوة قرقرة الكدر (٥). وقيل: استخلفه عام تبوك.واستوطن المدينة بعد موت النبيّ ﷺ، وكان على مقدّمة عمر بن الخطّاب ﵁ في مسيره إلى الجابية. وكان هو الذي يقتصّ آثار من شكي من العمّال لعمر ﵁، فلمّا اختطّ سعد بن أبي وقّاص ﵁ الكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة وبنى له بها قصرا نقل لعمر ﵁ أنّه أغلق قصره عليه، ثمّ قال: «سكن الصويت (١) عنّي»، وأنّ الناس يسمّونه «قصر سعد». فبعث محمّدا وقال: سر إلى الكوفة واعمد إلى القصر حتّى تحرق بابه ثمّ ارجع عودك على بدئك. فقدم الكوفة فاشترى حطبا وأتى باب القصر وأضرم الباب، وأتى سعدا الخبر فقال: هذا رسول أرسل لهذا.- وبعث لينظر من هو، فإذا هو محمد بن مسلمة، فأرسل إليه بأن: ادخل- فأبى. فخرج إليه فأراده على الدخول والنزول فأبى، فعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر إليه: بلغني أنّك بنيت قصرا اتّخذته حصنا، ويسمّى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا. فليس بقصرك، انزل منه منزلا ممّا يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله، وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت. فحلف له سعد ما قال الذي قالوا. ورجع محمد من فوره حتى إذا دنا من المدينة فني زاده فتبلّغ بلحاء من لحيّ (٢) الشجر، وقدم على عمر وقد تقرّح شدقه. فأخبر خبره كلّه، فقال: فهلّا قبلت من سعد؟ فقال: لو أردت ذلك كتبت لي بذلك أو أذنت لي فيه. فقال عمر: إنّ أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده [١٣٣ ب] عهد من صاحبه عمل بالحزم أو قال به ولم يشكل عليه. وأخبره بيمين سعد وبقوله، فصدّق سعدا، وقال: هو أصدق ممّن روى عليه وممّن أبلغني. فإنّ سعدا محسّد مأخوذ (٣). ثمّ لمّا ألب شكاة سعد عليه عند عمر ﵄، بعث محمّدا إليه، مقدم الكوفة ليطوف بسعد على الناس فطوّف بها المساجد. فكان لا يقف على مسجد فيسألهم عنه إلّا قالوا: لا نعلم إلّا خيرا، إلّا ما كان من نفر مالئوا (٤) الجرّاح بن سنان الأسديّ فإنّهم كانوا يسكتون، وتكلّم فيه أسامة بن قتادة، فخرج بسعد وشكاته إلى عمر، فكان من خبر سعد ما ذكر في ترجمته (٥). وكان عمر ﵁ إذا بعث عمّاله يشترط عليهم ألا يتّخذوا على المجالس التي يجلسون فيها للناس بابا ولا يركبوا البراذين ولا يلبسوا الرقاق ولا يأكلوا النقيّ ولا يغيبوا عن صلاة الجمعة. فمرّ يوما بطريق من طرق المدينة فقال له رجل: أبشر يا عمر بالنار! قال: وما ذاك؟ قال: تستعمل العمّال وتعهد إليهم عهدك، ثمّ ترى أنّ ذلك قد أجزاك. كلّا! والله إنّك لمأخوذ إذا لم تتعهّدهم! قال: وما ذاك؟ قال: عياض بن غنم (٦) يلبس الليّن، ويفعل ويفعل.قال: أساع أنت؟ قال: بل مؤدّ الذي عليه. فبعث إلى محمد بن مسلمة أن الحق بعياض بن غنم فائت به كما تجده. فانتهى إلى بابه بحمص، فإذا عليه بوّاب، فقال له: قل لعياض: على الباب رجل يريد أن يلقاك. قال: ما تقول؟ قال: قل له ما أقول لك. فذهب كالمتعجّب فأخبره، فعرف عياض أنّه أمر حدث، فخرج فإذا محمد، فرحّب به وقال له: ادخل، فإذا عليه قميص رقيق ليّن، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن لا يفارق سوادي سوادك حتّى أذهب بك كما أجدك. ونظر في أمره وداره فوجد الأمر كما قيل عنه، فقدم به على عمر فأدّبه. وبعثه عمر في جند عمرو بن العاص فشهد فتح مصر، وطلع الحصن مع الزبير، واختطّ بمصر دارا، وعاد إلى المدينة، ثمّ قدم مصر مرّة أخرى برسالة عمر ﵁ إلى عمرو ليقاسمه المال، ومعه كتاب عمر إليه: أمّا بعد، فإنّكم معشر العمّال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام، وأكلتم الحرام، وأورثتم الحرام. وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصاريّ ليقاسمك مالك، فأحضره مالك. والسلام. فلمّا قدم مصر أهدى له عمرو هديّة فردّها عليه، فغضب ثمّ قال: يا محمّد، لم [١٣٤ أ] رددت إليّ هديّتي، وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ مقدمي من غزوة ذات السلاسل فقبل؟ فقال له محمد: إنّ رسول الله ﷺ كان يقبل بالوحي ما شاء ويمتنع ممّا شاء. ولو كانت هديّة الأخ لأخيه قبلتها، ولكنّها هديّة أمام شرّ خلفها. فقال عمرو: قبّح الله يوما صرت فيه عاملا لعمر بن الخطّاب! فلقد رأيت العاصي بن وائل يلبس الديباج المزرّر بالذهب، وأنّ الخطّاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكّة. فقال محمّد: أبوك وأبوه في النار. وعمر خير منك، ولولا اليوم الذي أصبحت تذمّ لألفيت معتقلا عنزا يسرّك غزرها ويسوءك بكؤها (١). فقال عمرو: هي فلتة المغضب، وهي عندك بالأمانة. ثمّ أحضره ماله فقاسمه إيّاه، ثمّ رجع. فلمّا كانت قتلة عثمان ﵁ وبويع عليّ بن أبي طالب ﵁ اعتزل الناس، واتّخذ سيفا من خشب، وجعله في جفن وذكر أنّ رسول الله ﷺ أمره بذلك، ولم يشهد الجمل ولا صفّين، وأقام بالرّبذة. وكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فإنّي لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك، ولكنّي أردت أن أذكّرك النعمة التي خرجت منها، والشكّ الذي دخلت فيه. إنّك فارس الأنصار وعدّة المهاجرين، ادّعيت على رسول الله ﷺ أمرا لم تستطع إلّا أن تمضي عليه. فهذا نهاك عن قتل أهل الصلاة. فهلّا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا؟ وقد كان عليك أن تكره لهم ما كره لك رسول الله ﷺ، أو لم تر عثمان وأهل الدار من أهل الصلاة؟ فأمّا قومك فقد عصوا الله وخذلوا عثمان، والله سائلهم وسائلك عن الذي كان، يوم القيامة. وكتب إليه شعرا [الطويل]: أيا فارس الأنصار في كلّ كربة ... ويا أيّها الباني لها كلّ مكرمةويا ابن الذي لم يركب الخيل مثله ... خطوف لأرواح الفوارس مسلمة وأنت ابنه والمرء يخلف ابنه ... على ذاك كنتم في الدهور المقدّمة أما تستحي الأنصار من نقض ذمّة ... ونفس أصيبت بالمدينة مسلمة؟ ٥ حرام عليكم سفكها، وخضوعها ... طويل عليكم والدماء محرّمة شهدت فلم تبصره والقوم حوله ... عليه أكاليل والأرض مظلمة فلا قود فيه يقرّ لأهله ... ولا دية فيه إليهم مسلّمة [١٣٤ ب] فكتب إليه محمد: أمّا بعد، فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله مثل الذي في يدي. وقد أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن قبل أن يكون، فلمّا كان كسرت سيفي وجلست ببيتي واتّهمت الرأي على الدين إذا لم يصحّ لي معروف آمر به ولا منكر أنهى عنه. ولعمري ما طلبت إلّا الدنيا ولا اتّبعت إلّا الهوى، فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيّا. فما أخرجني الله من نعمة ولا صيّرني إلى شكّ. فإن كنت أبصرت خلاف ما تجيء به ومن قبلنا من المهاجرين، فنحن أولى بالصواب منك. ولم يزل بالمدينة حتّى مات بها. ولم يستوطن غيرها. وكانت وفاته في صفر سنة ثلاث وأربعين- وقيل: سنة ستّ وأربعين. وقيل: سنة سبع وأربعين- وهو ابن سبع وسبعين سنة. وصلّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ أمير على المدينة. وكان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع ذا جمّة. وكان من فضلاء الصحابة. قال أبو بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال: سمعت حذيفة يقول: إنّي لأعرف رجلا لا تضرّه الفتنة. فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمّد بن مسلمة الأنصاريّ، فسألته فقال: لا أستقرّ بمصر من الأمصار حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين.