page 2664, entry [4376]Open original source
٣٢٩٤ - النجم الخبوشانيّ الصوفيّ [٥١٠ - ٥٨٧] (١) [١٢٠ أ] محمد بن موفّق بن سعيد بن عليّ بن الحسن بن عبد الله، الشيخ الزاهد، نجم الدين، أبو البركات، ابن أبي المطهّر، الخبوشانيّ، التبريزيّ، الصوفيّ، الشافعيّ. مولده باستوا خبوشان في الثالث والعشرين من شهر رجب سنة عشر وخمسمائة. وتفقّه بنيسابور على محمد بن يحيى، وكان يقول: أصعد إلى مصر وأزيل ملك بني عبيد الكذّا [بين]. فقدم إلى مصر سنة خمس وستّين وخمسمائة، ونزل في بعض مساجدها. فاتّفق أنّ الخليفة العاضد لدين الله أبا محمّد عبد الله بن يوسف رأى في منامه أنّه بمدينة مصر، وقد خرج إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغه، فانتبه مذعورا، واستدعى عابر الرّؤيا وقصّ عليه ما رأى. فقال: ينال أمير المؤمنين مكروه من شخص مقيم بهذا المسجد. فألزم الوالي بإحضار من في المسجد، فمضى إليه وأحضر منه رجلا صوفيّا. فسأله العاضد من أين هو، ومتى قدم مصر، وفي أيّ شيء جاء! فأجابه عن ذلك، ولم يظهر للعاضد منه ما يريبه، بل تبيّن منه ضعف الحال مع الصدق، فدفع إليه مالا وقال له: يا شيخ، ادع لنا- وخلّاه لسبيله، فعاد إلى مسجده. ولم يزل به حتى قدم شير كوه من دمشق، وقام في وزارة العاضد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب وشرع في إزالة الدولة. [ف] ستفتى فقهاء مصر فكان أشدّهم مبالغة في الفتيا، وعدّد مساويء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال القول في الحطّ عليهم. وعند ما عزم صلاح الدين على قطع اسم العاضد من الخطبة لم يتجاسر أحد أن يأمر الخطيب بذلك، إلّا الخبوشانيّ، فإنّه قام يوم جمعة، وفي [١٢٠ ب] يده جريدة وأمر الخطيب بقطع اسم العاضد، وانقطع اسمه من يومئذ، وصدقت رؤيا العاضد. فلمّا استبدّ السلطان صلاح الدين بمملكة مصر، قرّبه وأكرمه، وبالغ في اعتقاد دينه وعلمه. فأشار على السلطان بعمارة المدرسة بجوار قبر الإمام الشافعيّ فامتثل ذلك. وتبتّل الخبوشانيّ بعمارتها حتّى كملت، ودرّس بها وسكن فيها إلى أن مات هناك في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودفن تحت رجلي الشافعيّ. ولم يأكل من وقف المدرسة شيئا قطّ، ولا أخذ من مال الملوك شيئا. ودفن في الكساء الذي صحبه من خبوشان. وكان بمصر تاجر من بلده يأكل من ماله. وحدّث عن أبي الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد، ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ، وكان فاضلا ديّنا سليم الباطن، معرضا عن معرفة الأحوال الدنيويّة، شديد الورع، فقيها، يستحضر كتاب المحيط في شرح الوسيط. وذكر عنه أنّه عدم مرّة فأملاه من حفظه. وصنّف كتابا في الفقه سمّاه«تحقيق المحيط» في ستّة عشر مجلّدا. وخبوشان- بضم الخاء المعجمة والباء الموحّدة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، ثمّ ألف بعدها نون- بليدة بناحية نيسابور. وكان من ورعه إذا ركب الحمار يجعل تحته أكسية لئلّا يصل إليه عرقه. وأتاه السلطان الملك العزيز عثمان، فصافحه. فاستدعى ماء وغسل يديه وقال: يا ولدي أنت تمسك العنان ولا يتوقّى الغلمان النجاسة. اغسل وجهك فإنّك بعد المصافحة لمست وجهك. فقال: نعم، وغسل وجهه. ولمّا خرج السلطان صلاح الدين إلى القريع قرب الرملة، جاء إلى الخبوشانيّ ليودّعه. فالتمس منه أمورا من المكوس ليسقطها [١٢١ أ] عن الناس، فلم يفعل، فقال له: قم، لا نصرك الله! وكن بغضا! فوقعت قلنسوة السلطان عن رأسه، فرجع السلطان، ثمّ توجّه إلى الحرب فانكسر. وعاد إلى الشيخ وظنّ أنّ ذلك بدعوته وأذعن لكلامه. وكان لتقيّ الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين مواضع يباع فيه المزر. فكتب الشيخ ورقة إلى السلطان قال فيها: إنّ هذا عمر- لا جبره الله! - يبيع المزر. فسيّرها إلى عمر وقال: لا طاقة لنا بهذا الشيخ، فأرضه! فركب إليه، فقال له حاجبه: قف بباب المدرسة حتى أسبقك إليه وأوطّئ لك. ثمّ دخل وقال: تقيّ الدين يسلّم عليك. فقال: بل شقيّ الدين، لا سلّم الله عليك! فقال: إنّه يعتذر ويقول: ليس لي موضع يباع فيه المزر. فقال: كذب. فقال: إن كان هناك موضع مزر فأرنا. فقال: ادن! - فأمسك ذؤابتيه وجعل يلطم وجهه، ويضربه (١) ويقول: لست مزّارا، فأعرف مواضع المزر! - ثمّ تركه. وخرج إلى تقيّ الدين فقال: فديتك بنفسي! (٢) وأتاه القاضي الفاضل يوما وهو يلقي الدرس على كرسيّ ضيّق، فجلس على طرفه، وجنبه إلى قبر الشافعي، فصاح به: قم! ظهرك إلى الإمام! فقال: إن كنت مستدبره بقالبي، فأنا مستقبله بقلبي. فصاح فيه وقال: ما تعبّدنا بهذا. فخرج وهو لا يعقل. ويقال: إنّه كان يصرّح بسبّ الدولة المصريّة قبل انقراضها، فبعثوا إليه بأربعة آلاف دينار. فنهض إلى الذي أحضرها، وهو بذاك الزيّ الهائل وقال له [١٢١ ب] وقد اشتدّ غضبه: ويلك، ما هذه البدعة؟ فألقى إليه ما معه بين يديه، فضربه على رأسه حتى تحلّقت عمامته في حلقه (٣) وأنزله ورمى بالدنانير على رأسه وسبّ أهل القصر.