page 2637, entry [4343]Open original source
[الحملة ضدّ العربان بالصعيد] ولمّا دخلت سنة إحدى وسبعمائة اشتدّ فساد العربان بالصعيد وكثر قطعهم الطريق وفرضوا على التجّار وأرباب المعايش بمدن الصعيد أموالا تجبى منهم، ومنعوا الخراج، وأقاموا لهم أمراء سمّوا بعضهم بيبرس وبعضهم سلّار، ولبسوا السلاح وأخرجوا أهل السجون. فجمع القضاة والفقهاء واستفتوا فيهم، فأفتوا بقتالهم وقتلهم. فأخذ الأمراء في الحركة لحربهم. وأوّل ما بدءوا به أخذ الطرق على العربان حتّى لا يمتنعوا بالجبال والمفازات. ورسم لناصر الدين محمد ابن الشيخيّ متولّي الجيزة، وإلى والي أطفيح بمنع الكافّة من السفر إلى الصعيد في البرّ والبحر، وهدّد أنّه متى ظهر أنّ أحدا من الناس سافر إلى الصعيد كانت روحه وأرواح الولاة قبالة ذلك. فاشتدّ الحرص على ما رسم به، وأشيع بأنّ الحركة إلى بلاد الشام. وتعيّن للسفر عشرون أميرا من أمراء الألوف بمضافيهم، وأن يكونوا أربعة أقسام: قسم يسير في برّ الغرب، وقسم في برّ الشرق، وقسم يركب النيل، وقسم يتوجّه في الطريق السالكة، وأن يخرج سنقر الأعسر في طائفة من الأمراء إلى جهة الواحات. وتأخّر عند السلطان أربعة منالأمراء، وأنّ الذين يتوجّهون إلى الصعيد يضع كلّ منهم سيفه فيمن يراه من صغير وكبير، وجليل وحقير، ولا يترك شيخا ولا صبيّا، وأن يوقع الحوط على سائر الأموال. وكان أمر الدولة حينئذ مضبوطا. فتمّ لهم ما قصدوه. وساروا من القاهرة للنصف من ربيع الأوّل، وقد عميت الأخبار على العربان. فطرقوا بلاد الصعيد بغتة على حين غفلة من أهلها، ووضعوا السيف من الجيزة بالبرّ الغربيّ، ومن إطفيح بالبرّ الشرقيّ، فلم يتركوا أحدا من العربان إلّا قتلوه، وأخذوا ماله وسبوا حريمه، فإذا ادّعى أنّه من الحضر امتحن بأن يقول: «دقيق»، فإن عقد القاف (١) قتل. ووقع الرعب في قلوب العرب حتى طبّق الأمراء عليهم من كلّ ناحية فرّوا لها، وأخرجوهم من خباياهم وقتلوهم بجانبي النيل من الجيزة وإطفيح إلى قوص. وعثروا بمن احتمى منهم بمغاور الجبال فدخنوا عليهم بالنار حتى هلكوا عن آخرهم. وأسر منهم ألف وستّمائة رجل لهم زراعات، وأخذ من أموالهم ما لا ينحصر، وتفرّقته الأيدي وصار للديوان منه [٩١ أ] ستّة عشر ألف رأس من الغنم، وثلاثة آلاف رأس من الخيل، واثنا عشر ألف جمل، وثمانية آلاف رأس من البقر، سوى ما أرصد في معاصر قصب السكر، ومن السلاح مائة وستّون حملا. وذلكغير ما نهبه العسكر، فإنّه لكثرته صار الواحد من الغلمان ومن الفقراء يبيع الكبش السمين بثلاثة دراهم وبدرهمين، والعنز بدرهم، والرطل السمن بربع درهم. ولم يوجد أحد يشتري الغلال من كثرتها. فلم يعد العسكر إلّا والبلاد خالية، يمشي المسافر فلا يرى بالطريق أحدا، وينزل القرية فلا ينظر إلّا امرأة أو صبيّا صغيرا. وعند ما استقرّ العسكر بالقاهرة، أفرج عن المأسورين لأجل حفظ البلاد. فاتّفق زكاء (١) الغلال بالوجه القبليّ وكثرتها في هذه السنة إلى الغاية. ثم جهّز الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح على جيش إلى جهة سيس في شهر رمضان منها [سنة ٧٠١] فحاصروها وغنموا وسبوا. ورتّب [السلطان] أربعة شوان حربيّة من مصر في المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة إلى جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس تجاه طرابلس، فخرّبوها وأسروا من بها من الفرنج، وعادوا غانمين. وفي رجب [سنة ٧٠٢] خرجت عساكر مصر من القاهرة إلى لقاء غازان وقد نزل على الفرات، وحاصر الرحبة مدّة. ثمّ عاد وسيّر عساكره صحبة قطلوشاه- من أمرائه- إلى الشام، وكتب إلى الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم يدعوه إلى طاعته. فجفل أهل حلب وحماة إلى دمشق، فهمّ أهلها بالرحيل إلى مصر، فمنع الأفرم من ذلك، وسرّح العساكر إلى حماة، وقد نزلت طائفة من التتر على القريتين (٢)، فأدركهم العسكر وقتلوهم وأسروا منهم عدّة.