page 2503, entry [4063]Open original source
٣٠١٧ - الفخر ابن فضل الله كاتب المماليك [٦٥٩ - ٧٣٢] (٢) [٢١٩ أ] محمد بن فضل الله، القاضي فخر الدين، المعروف بالفخر كاتب المماليك، ناظر الجيش، وسمّاه بعضهم وزير الوزراء.ولد على دين النصرانيّة في سنة تسع وخمسين وستّمائة. وعانى كتابة الديونة (١). وكان متألّها في نصرانيّته إلى أن أكره على الإسلام فامتنع من ذلك، وهمّ بقتل نفسه وتغيّب أيّاما. ثمّ أسلم وحسن إسلامه وتمذهب بمذهب أبي حنيفة ﵁ وأبعد النصارى ولم يقرّب منهم أحدا، وحجّ غير مرّة، وتصدّق في آخر عمره بثلاثة آلاف درهم في كلّ شهر، وبنى عدّة مساجد بديار مصر، وعمّر أحواضا كثيرة لماء السبيل في الطرقات، وبنى مارستانا بمدينة الرملة، ومارستانا بمدينة نابلس، وأكثر من فعل الخير، وزار مرّة القدس وأحرم منه للحجّ إلى مكّة. وكان إذا أخدمه أحد مرّة واحدة استمرّ صاحبه إلى آخر الدهر، وقضى أشغاله. وكانت فيه عصبيّة شديدة لأصحابه، وانتفع به خلق كثير من الناس لوجاهته عند السلطان وإقدامه عليه، بحيث إنّه لم يكن لأحد من أمراء الدولة على السلطان ما له من الإقدام، حتى إنّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قال لجنديّ سأله في إقطاع: لا تطوّل! فو الله لو أنّك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدين خبزا (٢) يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم! وقال له السلطان مرّة، وهو جالس في دار العدل بحضرة الأمراء وغيرهم من أهل الدولة: يا فخر الدين، تلك القضيّة طلعت «فاشوش»! فقال له الفخر: ما قلت لك إنّها عجوز نحس؟ - يريد بذلك أردكين بنت نوكاي زوجة السلطان، فإنّها ادّعت أنّها حبلى، ثم تبيّن عدم حبلها. وأوّل ما باشر وظيفة كتابة المماليك، وما زال يعرف بكاتب المماليك حتى مات. ثمّ انتقل إلى وظيفة ناظر الجيش فوليها بعد [ ... ] في [ ... ] ونال فيها من الوجاهة ما لم ينله غيره واستقرّ ولده شمس الدين عبد الله كاتب المماليك عوضا عنه. فعاداه الأمير أرغون نائب السلطنة، وصار إذا جلس للحكم أعرض عنه وأدار كتفه إليه. فأخذ الفخر في العمل عليه إلى أن حجّ. فقال للسلطان في بعض الأيّام وهو يحادثه: يا خوند، ما يقتل الملوك إلّا نوّابهم: هذا بيدرا قتل أخاك الملك [٢١٩ ب] الأشرف، ولاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر. فحرّك هذا القول من السلطان كوامن كان أغراه بها على أرغون وكثر تخيّله منه، وبعث إليه يأمره أن يسير من طريق الحجاز إلى حلب، فتوجّه إليها واستراح الفخر منه. ثمّ إنّه أحبّ أن يستأثر بالكلمة فحسّن للسلطان أن لا يستوزر أحدا، فأبطل الوزارة بعد صرف الأمير مغلطاي الجماليّ، وصارت أمور المملكة كلّها، من الأموال والجيوش وغيرها، متعلّقة به. ثمّ إنّ السلطان غضب عليه وقبضه في يوم الأحد عاشر ربيع الأوّل سنة ثنتي عشرة [وسبعمائة] وولّى قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلاميّة نظر الجيش، وصادر الفخر وأخذ منه أربعمائة ألف درهم. وسبب ذلك أنّه أخرق بالأمير فخر الدين أياز شادّ الدواوين. فاجتمع بالسلطان وأغراه بكثرة أمواله وأنّه يخلص منه ألف ألف درهم، فأصغى إليه وخرج إلى الفخر وهو مع الأمراء على باب القلّة بالقلعة وفاتحة الشرّ وبسط لسانه فيه، ثمّ قام إلى السلطان هو والفخر، ورافعه في وجهه حتّى غضب السلطان وسلّمه إليه ليأخذ ماله، فأخرجه إلى قاعة الصاحب بالقلعة وأوقع الحوطة على موجوده وحواشيه. فقام عدّة أمراءمع الفخر حتى نقل إلى الأمير بيبرس الأحمديّ أمير جندار. وضرب أياز عدّة من أصحابه بالمقارع، ثمّ أفرج عنه في يوم الأربعاء خامس عشرين ربيع الآخر، واستقرّ صاحب ديوان الجيش رفيقا لابن شيخ السلاميّة عوضا عن معين الدين هبة الله بن حشيش. فلمّا رضي السلطان عنه أمر بإعادة المال الذي أخذ منه إليه، فامتنع من أخذه وقال: أنا خرجت عنه للسلطان، فليبن به جامعا! فبنى به الجامع الجديد بموردة الحلفاء من مدينة مصر، وكانت إعادة الفخر إلى نظر الجيش في ثاني عشر ذي الحجّة سنة ثنتي عشرة، وأعيد ابن حشيش إلى ديوان الجيش. ثمّ إنّ السلطان حنق من الفخر لكثرة معارضته له وقال له، وقد اشتدّ غضبه: قم! اخرج من وجهي، ولا ترني وجهك بعدها! فقام وهو يقول: والله لقد أراحني الله. فعظم هذا على السلطان فأمر به فلكم وكشف رأسه، فقام السلطان ونزع خفّيه وضربه، وهو (١) يقول: إن كنت [ت] وسّط [ن] ي ما أخدمك أبدا. فزاد حنق السلطان، وما زال الأمراء حتى سكّنوا غضبه بعد ما بالغوا في إهانة (٢) الفخر وأخرجوه عن السلطان. ثمّ شفعوا فيه فرضي عنه وخلع عليه وقال له: لا تكن متجرّئا على السلطان في مجلسه. فاستمرّ على حاله. وحجّ في سنة عشرين، فكانت غيبته ثلاثين يوما. وتصدّق على أهل الحرمين بعدّة آلاف دينار. وما زال على رتبته حتى مرض ومات ليلة الأحد النصف من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بمنزله من مصر على حافّة النيل. ودفن بالقرافة عند قبر ابن أبي جمرة. وكان متواضعا يحبّ الفقراء، وسمع الحديث من الأبرقوهيّ وغيره. وكان الحديث النبويّ يقرأ عنده في أيّام الجمع وغيرها، ويجتمع عنده العلماء والصلحاء. وزار القدس مرّة فدخل إلى كنيسة القمامة، فسمع وهو يقول عند ما نظر إلى معابيد النصارى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [آل عمران: ٨]. وتنزّه في آخر عمره عن أخذ المعلوم السلطانيّ على نظر الجيش، واقتصر على أخذ كماجة (٣) واحدة من المخابز السلطانيّة تحضر إليه في كلّ يوم ليأكلها، ويقول: هذه أتبرّك بها. ولمّا مات قال السلطان: لعنه الله! له خمس عشرة سنة ما يخلّيني أعمل ما أريد! ومن حين مات تسلّط السلطان على الناس وصادرهم وعاقبهم وتجرّأ على كلّ قبيح. ولمّا مرض بلغه أنّ شمس الدين موسى ابن التاج قد سعى في نظر الجيش وقال للسلطان: ولو تعافى الفخر ما بقي يصلح، فإنّ بصره قد كفّ. فركب وهو في غاية الضعف إلى القلعة، وقال للسلطان: جئت لأودّعك وأنصحك وأوصيك بعيالي وأولادي. وعندي ذخيرة لمولانا السلطان. فأمّا نصحي، فإنّ أولاد التاج (٤) إسحاق قد [٢٢٠ أ] اتّفقوا على أخذ مالك من الخاصّ ومن الديوان- وبسط لسانه بالقول فيهم. وأمّا الذخيرة فعندي عشرة آلاف دينار ولؤلؤ وغيره، وجميع ذلك منصدقات السلطان ومن صدقات الشهيد. وأنا أنصح السلطان: فلا يولّ أحدا من أولاد التاج، ولا يأمنهم ولا يحكّمهم في المال! ونزل إلى داره فمات بعد ثلاثة أيّام، بعد ما أعطى علاء الدين [عليّ] ابن هلال الدولة ورقة مختومة، وأوصاه بدفعها إلى السلطان بعد موته، فدفعها إليه كما أوصى. فتقدّم السلطان إلى الحجّاب وأولاد التاج إسحاق، وابن هلال الدولة، بالنزول إلى بيت الفخر لأخذ ما أوصى به. فوجد في الموضع الذي ذكره عشرة آلاف دينار وبعض جواهر أحضرت إلى السلطان. فلم يرض بذلك، وأمر بإحصاء ما خلّفه من المتاجر والبساتين والدواليب والضياع في سائر البلاد الشاميّة من حلب إلى غزّة، وفي أرض مصر، وأوقع الحوطة على الجميع، وباع الأصناف، فبلغت قيمة ما حمل ألف ألف درهم، سوى ما ترك لأولاده، وسوى أوقافه فإنّها تركت على حالها في حياته. وولي نظر الجيش بعده شمس الدين موسى ابن التاج إسحاق.