page 2363, entry [3702]Open original source
[بذله الأموال لفداء المسلمين] وخرج في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة إلى ثغر الإسكندريّة بسبب الفداء في جمع كبير، ومعه من الذهب والورق والثياب والطّيب والأطعمة ما يجلّ وصفه. وخرج معه عدّة من الأشراف والعلماء والوجوه، فكان يفادي بالمسلم ويحضره إليه ويسأله عن بلده، ثمّ يكسوه ويطعمه بمفرده ويطيّبه ويدفع إليه نفقة، ثمّ يودّعه وينصرف. فلم يزل على هذا حتى فرغ الفداء، فكان فداء مذكورا، لم يقع بعده فداء مثله. وكان كثير التلاوة للقرآن الكريم، لا يزال المصحف بين يديه، سواء كان متصرّفا أو متعطّلا، فلا يقصّر عن تلاوة الختمة في كلّ يوم. وكان كثير الصلاة طويل السجود، لا يترك قيام الليل في حال من الأحوال، فيقطع أكثر ليله مصليّا. وكان غاية في الكرم ورقّة القلب، وله فيه أخبار كثيرة. وكان أوّلا يشرب، ثمّ ترك الشارب، وواصل الصيام. وأمر مرّة بشراء نوق للحجّ، فأحضر وكيله كيسا وصبّ الدنانير بين يديه فصاح وقال: إيش هذا؟ دنانير تصبّ بين يديّ! ما عرفت قطّ إلّا التوقيع! وهذا أمر لا يكون إلّا في الأسواق وعند التجّار. فاعتذر الوكيل ممّا فعل.وأقام بمصر يأمر وينهى مدّة ثلاث وسبعين سنة تقبّل يده، ويعاش في فضله. ونكب مرارا فما زال عن رسمه ولا غيّر له حالا. وكان لبنيه وهم صغار، عليه لكلّ منهم في كلّ شهر ألف دينار. فلمّا كبروا وتصرّفوا وصارت لهم الضياع، لم يقطع ذلك عنهم. ووقع غلاء بمصر، فقيل له: إنّ جراية الدقيق عظيمة وبين الحواري والخشكار في الجملة [١١٠ ب] ديناران، فتعطى الجرايات من الخشكار. فقال: لا والله! لا كانت الجرايات إلّا ممّا آكل! وكان يكثر توقيعاته بالبرّ والصلات عند خروجه للحجّ. فبلغت مرّة في سنة واحدة نيفا وستّين ألف دينار. وملك بمصر من الضياع الكبار ما لم يملكه قبله أحد. فبلغ ارتفاع ضياعه أربعمائة ألف دينار في كلّ سنة سوى الخراج.