page 2326, entry [3629]Open original source
[بداية ثورة أبي يزيد] وفي سنة ثلاث وثلاثين [وثلاثمائة] اشتدّت شوكة أبي يزيد مخلد بن كيداد النكاريّ الخارجيّ بإفريقيّة وكثرت أتباعه وهزم الجيوش. وكان مذهبه تكفير أهل الملّة واستباحة الأموال والدماء. وكان ابتداء ظهوره من سنة ستّ عشرة (٤) وثلاثمائة، فما زال أمره يتزايد حتى أخذ عدّة مدن في هذه السنة، وصار يركب حمارا أشهب ويلبس جبّة صوف قصيرة. وكان قبيح الصورة قصير القامة أعرج. فاجتمع أهل المهديّة إلى القائم وقالوا: قد أخذ أبو يزيد الأربس وهو باب إفريقيّة، ولمّا أخذ من بني الأغلب زالت دولتهم. فقال لهم: لا بدّ أن يبلغ أبو يزيد إلى المصلّى كما قال المهديّ، وهو أقصى غايته. ثمّ إنّه أخرج الجيوش لضبط البلاد وجمع العساكر، وكانت لأبي يزيد مع جيوش القائم حروب. ونزل على رقّادة في مائة ألف مقاتل، وملك القيروان وهزم العساكر. فخاف الناس بالمهديّة. وقد امتدّت سرايا أبي يزيد في كلّ ناحية. فارتحل عامّة الناس من الأرباض بعيالهم إلى المهديّة يريدون التحصّن بها، فأمر القائم بأمر الله حسّان (٥) البوّاب بمنعهم من دخولها وأن يرجعوا بعيالاتهم إلى مواضعهم وأمره أن يقول لهم عنه: لا خوف عليكم فارجعوا فإنّ هذا زبد يذهب ويديل الله من القوم، فإنّ لكلّ أجل كتابا (٦) ولكلّ أمر مدّة. فلمّا قال لهم حسّان ذلك ماج الناس ولم يسكن إليه إلّا القليل، ثمّ عاد بعضهم وسكن بعضهم. ولمّا وصل أبو يزيد إلى المصلّى قال للقائم جماعة: لو خرج أمير المؤمنين بنفسه ورآه الناس، لرجونا أن يكشف الله هذا الأمر بطلعته المباركة. وعظّموا الأمر ولم يشكّوا أنّ أبا يزيد قد غلب على الأرباض، وأنّ المهديّة تحت (٧) يديه،والقائم في ذلك مسرور، فلمّا أكثروا عليه قال: والذي نفسي بيده لينجزنّ الله لنا وعده وإن كره المشركون! ثمّ قال لبعض الخدم: «امض إلى السور فإذا رأيت اللعين انصرف عن موضعه فلوّح لنا بالسيف»، ففعل ذلك. فلمّا انصرف أبو يزيد لوّح بسيفه فقال القائم: «أبشروا، فقد بلغ الفاسق أقصى غايته وقد انصرف عنكم ولستم ترونه عائدا إلى هذا المكان أبدا»، وكان كذلك. فأمر القائم بحفر الخنادق حول المهديّة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين، واستدعى كتامة فأتوه. فنزل أبو يزيد على المهديّة وصار على خمسة عشر ميلا منها، وبثّ سراياه ينهب ويقتل. فخرج إليه أصحاب القائم لثمان بقين من جمادى الأولى وقاتلوه، فهزمهم وقتل كثيرا منهم وأشرف على المهديّة ثمّ رجع إلى منزله. وتقدّم إلى المهديّة في جمادى الأخرى، ووقف على الخندق المحدث وقاتل من عليه حتى وصل إلى عند المصلّى حيث الموضع الذي قال المهديّ إنّه ينتهي إليه. وتفرّق أصحابه ينهبون ويقتلون فحمل عليهم أصحاب القائم وهزموهم وقتلوا منهم. فاتّفق وصول زيري بن مناد، فخاف أبو يزيد وقام ليأتي كتامة وزيري من ورائهم، فظنّه أهل الأرباض القائم قد خرج من المهديّة فكرّوا وقويت نفوسهم واشتدّ قتالهم، فتحيّر أبو يزيد ونجا بنفسه إلى منزله بعد المغرب. واجتمع الناس عليه وحاصر المهديّة عدّة أشهر (١) حتى كثر الجوع والغلاء بها. ففتح القائم الأهراء التي عملها المهديّ وملأها طعاما، وفرّق ما فيها على رجاله. وبلغ بلاء الناس من شدّة الجوع، فخرجوا من المهديّة ولم يبق بها سوى الجند. ودخلت [٨٢ ب] سنة أربع وثلاثين، والقتال مستمرّ بين القائم وبين أبي يزيد، فكانت بينهما حروب آلت إلى رحيله عن المهديّة في سادس صفر (٢). ونزل على القيروان. فتنفّس خناق أهل المهديّة، وقوي القائم، وبعث إلى البلاد العمّال وطردوا أصحاب أبي يزيد وأخذوهم، فتفرّق الناس عن أبي يزيد. ثمّ جمع الناس وبعث العساكر تنهب وتقتل، وكان من ذلك ومن التخريب والإحراق بالنار ما لا يوصف. وكثرت الحروب بين أصحاب القائم وأبي يزيد إلى أن فوّض القائم العهد لابنه إسماعيل المنصور في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين (٣).