Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

البوصيريّ صاحب البردة [- ٦٩٥]

المقريزي - المقفى الكبير · page 2156, entry [3221]

المقفى الكبير — المقريزي

Open narrator profile: البوصيريّ صاحب البردة [- ٦٩٥]
page 2156, entry [3221]Open original source
٢٢٦٢ - البوصيريّ صاحب البردة [- ٦٩٥] (١) [٢٥٠ أ] محمّد بن سعيد بن حمّاد بن تحسن بن أبي سرور بن عبد الله بن ملاك بن صنهاج- وقيل: محمّد بن سعيد بن حمّاد بن تحسن بن عبد الله بن حيّانيّ- الحبنونيّ، الصنهاجيّ، أبو عبد الله، شرف الدين، الدلاصيّ المولد، المغربيّ الأصل، البوصيريّ المنشإ، صاحب القصيدة المعروفة بالبردة. أصله من قلعة حمّاد ببلاد المغرب، من قبيل يقال لهم بنو حبنون، بحاء مهملة ثمّ باء موحّدة بعدها نون وواو ثمّ نون، على وزن زيدون. وكان أبوه من ناحية بوصير، أمّه من ناحية دلاص، فركّب لنفسه منهما نسبا وقال: الدلاصيريّ، واشتهر بالبوصيريّ. ومولده بناحية دلاص في يوم الثلاثاء أوّل شوّال سنة ثمان- وقيل: سنة عشر، وقيل: سنة تسع- وستّمائة. وبرع في النظم، وتخصّص بالوزير زين الدين يعقوب بن الزبير، وانقطع إليه بمصر وصار يقترح عليه. فاتّفق أنّه أصابه فالج أبطل نصفه، وتعطّل مدّة بحيث عجز عن الانقلاب في الفرش من جانب إلى آخر. فلمّا أمضّه ذلك عزم على نظم قصيدة في مدح رسول الله ﷺ يستشفع به إلى الله تعالى، عساه ينجّيه ممّا به. فنظم القصيدة التي تعرف بالبردة. وأوّلها [البسيط]: أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم؟ وكرّر إنشادها مرارا وتشفّع إلى الله سبحانه بنبيّنا محمّد ﷺ في إزالة كربه، وأكثر من البكاء والدعاء. ونام فرأى رسول الله ﷺ في منامه وكأنّه يمسح بيده المقدّسة على ما به من الوجع، ثمّ ألقى عليه برده. فانتبه وقد عوفي. فقام من فوره وخرج من منزله- وكان ما تقدّم ذكره سرّا فيما بينه وبين الله سبحانه لم يطلع عليه أحدا من الناس- فلقيه بعض الفقراء وقد خرج من بيته، وقال له: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله ﷺ. فقال: وأيّ قصيدة تريد؟ فإنّي مدحته ﷺ بقصائد كثيرة. فقال: التي أنشأتها في مرضك، التي أوّلها: «أمن تذكّر جيران بذي سلم» ... والله لقد سمعناها البارحة، وهي تنشد بين يدي من صنّفت فيه ورأيته ﷺ يتمايل عند سماعها كتمايل القضيب الرطب، وأعجبته، وألقى على من أنشدها برده. [٢٥٠ ب] فأعطاه القصيدة، وشاع المنام بمصر حتّى بلغ الصاحب الكبير بهاء الدين عليّ بن محمّد بن حنّا، فانتسخها ونذر أن لا يسمعها إلّا وهو قائم مكشوف الرأس. فسمعها كذلك وأعجب بها وتبرّك هو وأهله بسماعها. وشاع ذلك بين الناس. فاتّفق أنّ سعد الدين [ ... ] الفارقيّ موقّع الصاحب رمد رمدا شديدا أشفى منه على العمى. فرأى في منامه كأنّه يقال له: اذهب إلى الصاحب بهاء الدين وخذ منه البردة [و] ضعها على عينيك تبرأ من وقتك. فلمّا أتاه وقصّ عليه ما رأى قال: والله ما عندي من آثار النبيّ ﷺ بردة.- وفكّر ساعة ثمّ قال: لعلّ المراد قصيدة البردة؟ فنحن نتبرّك بها- وأمر عبدهياقوت أن يقول للخادم: افتح صندوق الآثار وأخرج القصيدة من حقّ العنبر وائت بها. فلمّا جاءت وضعها الفارقيّ على عينيه وقرئت عليه، وكان الشفاء. فسمّيت من حينئذ «البردة»، واشتهرت بديار مصر، والشام، والمغرب، والحجاز، واليمن، شهرة لا مزيد عليها. وزادوا في تعظيمها حتى عملوها تميمة تعلّق على الرءوس، وزعموا فيها مزاعم كثيرة من أنواع البركة. وهم على ذلك إلى يومنا هذا. وكان البوصيريّ شيخا مختصر الجسم، وفيه كرم، وله شعر فائق. قال فيه فتح الدين محمّد ابن سيّد الناس: هو أحسن شعرا من الجزّار والورّاق (١). وكان يعاني صناعة الكتابة الديوانيّة، ويتصرّف في المباشرات، وباشر في الشرقيّة ببلبيس، ورمى المباشرين بالأوابد. ومات في يوم [ ... ] سنة خمس وتسعين وستّمائة بالمارستان المنصوريّ من القاهرة. ومن شعره [الطويل]: تجنّب أحاديث الحسود فواجب ... تجنّبه فيما يقول ويفعل (٢) وكلّ حسود ما عدته ملامة ... وكلّ لئيم ما عليه معوّل متى قال عنّي السوء عندك إنّه ... كذاك يقول السوء عنك وينقل وقال في المركب الذي فوق الإمام الشافعيّ ﵀ عليه [الطويل]: بقبّة قبر الشافعيّ سفينة ... رست من بناء محكم فوق جلمود (٣) ومذ غاض طوفان العلوم بموته ... استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي وذكره الشهاب أحمد بن فضل الله في كتاب مسالك الأبصار (٤)، وقال: حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود ﵀ قال: كان البوصيريّ على غزارة [٢٥١ أ] فضله ممقوتا لإطلاق لسانه في الناس بكلّ قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء. (قال): وكنت أشتهي أن أراه وأتمنّى قدوم مصر للقياه. فلمّا نقلت إلى مصر في الأيّام الأشرفيّة، سألت عنه في الطريق قبل دخول البلد، فقيل لي أنّه مات. وكان قد مرض مرضة طويلة أغمي عليه فيها، فشيع عليه أنّه مات وطارت هذه الشائعة واستقرّت في كثير من النفوس. (قال): فأسفت على فوات لقائه، ثمّ لم تمض عليّ إلّا مدّة حتّى طرق عليّ الباب، فقلت: من أنت؟ فقال: البوصيريّ. فشرعت أردّد السؤال لأستثبته إلى أن قال: كأنّك قيل لك إنّي متّ؟ فقلت: قد قالوا هذا. فأنشدني بديها [الخفيف]: عاش [من] بعد موته البوصيري ... وحياة الكلاب موت الحمير (٥) عاش قوم مذ قيل إنّي قد م ... تّ فماتوا قبلي بوخز الصدورترجمة البوصيري ٢٥١ أمن مخطوط ليدن ١لست ممّن يموت أو يقدموني ... وأبكّي عليهم في القبور وصحيح بأنّي قد كنت قد م ... تّ وأحياني جود هذا الوزير فقلت له: الحمد لله على بقائك وسلامتك- ثمّ أدخلته الدار، فتحادثنا. وشكا إليّ فاقة عظيمة وضرورة زائدة، فقلت له: أتقول إنّ جود هذا الوزير أحياك، وهذه شكواك؟ فقال: أحياني بتجبّره بهؤلاء الفعلة الصنعة الكتّاب. فقلت: دع هذا، وكمّل على هذه الأبيات في مدح الوزير لأعرضها لك عليه، فلعلّها تكون سببا لإحسانه إليك. ففعل، فكان كما قلت. (قال): وأمّا البردة، فحكى لي غير واحد ممّن أثق به أنّ رجلا كان من الكتّاب بمطابخ السكر [٢٥١ ب] السلطانيّ مغرى بكتابة هذه القصيدة- يعني البردة- مغرما بها، ولا يزال يذكر عظيم النفع بها، وأنّه ما استشفى بها أحد إلّا شفي واستغنى بها عن الدواء. وكان رفيق نصراني معاند يهزأ به إذا قال مثل هذا، ولا يقدر أن يتكلّم، إلى أن حصل لابن صغير له رمد كاد يذهب بعينه. فأتاه به غلام له يحمله يوما وهو في مكان مباشرته، والنصرانيّ إلى جانبه. فلمّا رآه أبوه قال للغلام: اذهب إلى الكحّال فأره له ودعه يكحّله [ويصف له ما يراه من الطعام والشراب وغير ذلك]. فرأى النصرانيّ أن قد جاءه وقت الكلام، فقال: ما حاجة إلى الكحّال؟ تكفيه البردة! فغضب المسلم وقال: نعم! تكفيه البردة! والله لا طبّبته بغيرها! خذ يا غلام هذه البردة وضعها على عينيه، ولا تكحّله. ودعه يأكل ما أراد- ودفعها إليه. فأخذه الغلام وذهب به. وكان ذلك يوم السبت. فلمّا أصبح بكرة يوم الأحد، نظر إليه أبوه فرأى الحمرة قد تقشّعت، وصفت حمرة عينيه، وسكن ما به. فحمله وأتى به النصرانيّ في كنيسته، وقال: انظر! كيف ترى نفع البردة؟ فوجم النصرانيّ ولم يتكلّم، فلمّا كان يوم الاثنين زال ما كان بالصغير حتّى كأنّه لم يكن، فأتى به أبوه النصرانيّ فقال: انظر كيف هو اليوم! فقال النصرانيّ: لا شكّ بعد عيان! - وأسلم وحسن إسلامه، ثمّ كان من أشدّ الناس تعلّقا بها. وكان الملك الظاهر قد أمر بكسر أوعية الخمر وشدّد فيها، فقال [الوافر]: نهى السلطان عن شرب الحميّا ... وصيّر حدّها حدّ اليمانيّ (١) فما جسرت ملوك الجنّ منه ... لخوف القتل تدخل في القنانيّ فبلغت السلطان فقال: لو كنت أجتمع بشاعر لاجتمعت به. ولمّا عمّرت [٢٥٢ أ] المدرسة المنصوريّة والمارستان بالقاهرة، أكثر الشعراء في وصفهما ومدحوا الأمير سنجر الشجاعيّ متولّي عمارتها. فممّن أنشده، البوصيري، [ب] قصيدة فريدة أوّلها [الكامل] (٢): عمّرت مدرسة ومارستانا ... لتصحّح الأديان والأبدانافقال له: حسبك! في هذا كفاية- ولم يسمع تتمّة القصيدة استحسانا للبيت، وظلّ يومه كلّه ينشده ويترنّم به، وأجزل جائزته. وهي كلّها طنّانة، قد ذكرتها عند المدرسة المنصوريّة في كتاب الاعتبار بذكر الخطط والآثار. وقد أورد الصفديّ هذا البيت في ترجمة عثمان بن سعيد بن لؤلؤ (١)، وإنّما هو للبوصيريّ. وله فيه أخرى، أوّلها [الطويل]: جوارك من جور الزمان يجير ... وبشرك للراجي نداك بشير ومنها في وصف ذلك [البناء]: بنى ما بنى كسرى، وما قلب مؤمن ... يباهي به فيما بناه كفور (٢) وكان له صديق من الكتّاب يعرف بالأكرام الحشّاء، له عبد حبشيّ مليح الصورة، وكان شخص يعرف بسليمان المفتّش يحبّ ذلك العبد. فحذّره البوصيريّ من سليمان المذكور، وقال له ما بلغه من حبّه للعبد. فقال له: أنا عبدي شيطان، ما أخاف عليه. فقال [البسيط]: كم قلت للأكرم الحشّاء أنصحه ... بأنّ عبدك محتاج للقّان (٣) فقال: عبدي عفريت، فقلت له ... إنّي أخاف عليه من سليمان وبات ليلة بالقرافة في رفقة فيهم رجل اسمه مسافر، فدبّ ليلا على صبيّ [٢٥٢ ب] اسمه النجم، فقال [السريع]: مسافر سارت أحاديثه ... ما بين كلّ العرب والعجم سرى على النجم، ولا غرو في ... مسافر يسري على النجم وحكي أنّه كان قليل المعرفة بصناعة الكتابة، وكان يباشرها ويبغض طائفة الكتّاب، ويضطرّ إلى أن يعاشرها، ولا يزال رزقه مقتّرا، ويرى الكتّاب في النعم يتقلّبون، فقال [الوافر]: نقدت طوائف المستخدمينا ... فلم أر فيهم رجلا أمينا (٤) وهي طويلة.
Parsing and provenance details
Local passage ID
390785
Book record
shamela-145334
Source record
dedupe:3221:913905
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
البوصيريّ صاحب البردة [- ٦٩٥] — shamela-145334 · Hadith Research Library