page 1983, entry [2812]Open original source
[تعريض الشيبانيّ بأهل الحديث وتصدّي الشافعيّ له] ثمّ إنّا دخلنا في مجلس أنا ومحمد بن الحسن على هارون، وكان موضع على باب هارون يجلس فيه القضاة والأشراف ووجوه الناس إلى أن يؤذن لهم. فاجتمعنا في ذلك المكان، وفيه جماعة من بني هاشم وقريش والأنصار. (قال): والخلق يعظّمون محمد بن الحسن لقربه من أمير المؤمنين وتمكّنه منه. فاندفع يعرّض بي ويذمّ أهل المدينة فقال: من أهل المدينة؟ وإيش يحسنون، أهل المدينة؟ والله لقد وضعت كتابا على أهل المدينة كلّها لا يخالفني فيه أحد، ولو علمت أنّ أحدا يخالفني في كتابي هذا تبلغني إليه الرواحل، لضربت إليه حتى أردّ عليه. قال الشافعيّ: قلت في نفسي: إن أنا سكتّ نكست رءوس من ههنا من بني هاشم وقريش، وإن أنا رددت عليه أسخطت عليّ السلطان. ثمّ إنّي استخرت الله تعالى في الردّ عليه فتقدّمت إليه فقلت: أصلحك الله، طعنك على أهل المدينة، وذمّك أهل المدينة، إن كنت أردت رجلا واحدا، وهو مالك بن أنس، فهلّا ذكرت ذلك الرجل بعينه ولم تطعن وتذمّ أهل حرم الله وحرم رسوله، وكلّهم على خلاف ما ادّعيت؟ وأمّا كتابك الذي ادعيت أنّك وضعته على أهل المدينة فكتابك من بعد «باسم الله الرحمن الرحيم»، خطأ إلى آخره: قلت في مسألة كذا: كذا، وهو خطأ، وقلت في مسائل الحامل كذا وكذا، وهو خطأ، وقلت في شهادة القابلة كذا وكذا، وهو خطأ. (قال): فاصفرّ محمد بن الحسن ولم يحر جوابا. وكتب أصحاب الأخبار إلى هارون بما كان، فقال: ماذا ينكر لرجل من ولد المطّلب أن يقطع مثل محمّد بن الحسن؟ (قال): فعارضني رجل في المجلس من أصحابه، فقال لي: ما تقول في رجل دخل إلى حقول رجل فرأى بطّة فرماها ففقأ عينها؟ ماذا يجب عليه؟ قلت: ينظر إلى قيمتها وهي صحيحة، وقيمتها وقد ذهبت عينها فيغرم ما بين القيمتين. ولكن، ما تقول أنت وصاحبك في محرم نظر إلى فرج امرأة فأنزل؟ (قال): - ولم يكن لمحمّد حذاقة بالمناسك- فصاح به محمّد وقال: ألم أقل لك: لا [١٢٤ أ] تسأله؟ (قال): ثمّ إنّا دخلنا على هارون، فلمّا استوينا بين يديه، قال لي محمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، تسأل أم أسألك؟ فقلت: ذاك إليك. فقال: خبّرني عن صلاة الخوف، أواجبة هي؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: يقول الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية [النساء: ١٠٢]. قال: ما تنكر من قائل قال لك: إنّما الله أمر نبيّه ﷺ [وهو] فيهم، فلمّا زال عنهم النبيّ ﷺ زالت عنهم تلك الصلاة. قلت: وكذلك قال الله تعالى لنبيّه ﷺ: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ... [التوبة: ١٠٣]، فلمّا أن زال عنهم النبيّ ﷺ زالت عنهم الصدقة! ؟قال: لا. قلت: ما الفرق بينهما، والنبيّ ﷺ المأمور فيهما جميعا؟ (قال): فسكت. ثمّ قال: يا أهل المدينة، ما أجرأكم على كتاب الله ﷿! فقلت: أجرأ منّا على كتاب الله من يخالفه. فقال: الله تعالى يقول: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢]، فقلتم أنتم: نقضي باليمين مع الشاهد. فقلت: لكنّا نقول بما قال الله ونقضي بما قضى به رسول الله ﷺ، ولكنّك أنت خالفت قضاء رسول الله ﷺ. قال: فأين؟ قلت: في قصّة حويصة ومحيصة وعبد الرحمن حين قال لهم النبيّ ﷺ في قصّة القتيل: أفتحلفون وتستحقّون دم صاحبكم؟ - قالوا: لم نشهد ولم نعاين قال: فتخلفه لكم يهود- فلمّا أن نكلوا عن اليمين، ردّ اليمين على اليهود. فقال: إنّما كان ذلك استفهام [ا] من رسول الله ﷺ، استفهم من اليهود. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بحضرتك يزعم أنّ رسول الله ﷺ استفهم من اليهود! فقال هارون: ثكلتك أمّك يا ابن حسن! رسول الله ﷺ يستفهم من اليهود؟ نطع وسيف! (قال): فلمّا رأيت الحدّ من هارون، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الخصمين إذا اجتمعا تكلّم كلّ واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه. وما أرى محمّدا أراد بهذا نقصا لرسول الله ﷺ. فسرّيت عنه، ثمّ ركبنا وخرجنا من الدار. فقال لي: يا أبا عبد الله، فعلتها! فقلت: فكيف رأيتها بعد ذلك؟