page 1718, entry [2317]Open original source
[وصول المهديّ إلى إفريقيّة] وانتهى المهديّ وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرّق من كان صحبته من التجّار. وكان في صحبته أبو العبّاس محمد أخو أبي عبد الله الشيعيّ، فقدّمه المهديّ أمامه إلى القيروان وأمره أن يلحق بكتامة. فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القيروان، وجد الخبر قد سبقه، ووصلت الكتب من الخليفة إلى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب في أمر المهديّ. فسأل عنه رفقته فأخبر أنّه تخلّف بطرابلس وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقيروان. فأخذ أبو العبّاس وقرّر، فأنكر وقال: «أنا رجل تاجر صحبت رجلا في [٢٢٠ أ] القفل (١*)»، فحبسه. وسمع المهديّ فسار إلى قسطيلية. ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بصفته وطلبه، فسار المهديّ إلى سجلماسة بعد ما اجتمع بعامل طرابلس وأهدى إليه. فكتب العامل إلى زيادة الله بأنّه قد سار ولم يدركه. فأقام المهديّ بسجلماسة وقد أقيمت عليه الأرصاد في الطريق حتى عرفوا دخوله إلى سجلماسة. فأهدى إلى صاحبها اليسع بن مدرار هدايا وواصله. فقرّبه اليسع وأحبّه إلى أن ورد عليه كتاب زيادة الله يقول: «هذا الرجل هو الذي يدعو إلى طاعته أبو عبد الله الشيعي». فقبض عليه حينئذ وحبسه (٢*). فأخذ أبو عبد الله رقّادة كما ذكر في ترجمته وتوجّه إلى سجلماسة لينقذ المهديّ من سجن اليسع، حتى قرب منها. فأرسل اليسع إلى المهديّ فسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبي عبد الله؟ فحلف له المهديّ أنّه ما رأى أبا عبد الله ولا عرفه، «وإنّما أنا رجل تاجر». فأغلظ له في القول فلم يحل عن كلامه فأمر به أن يعاد إلى الاعتقال وأفرد في دار وحده، وكذلك فعل بابنه أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس. وقرّر أبا القاسم أيضا فما حال عن كلام أبيه. وقرّر (٣*) رجالا كانوا معه وضربهم فلم يقرّوا بشيء.وسمع أبو عبد الله ذلك فشق عليه وأرسل إلى اليسع كتابا يتلطّف به ويؤمّنه، وأنّه إنّما قدم إلى جهته بسبب حاجة مهمّة، ولم يقدم لحرب، ووعده من نفسه بالجميل. فرمى الكتاب وقتل الرسول. فعاوده في الملاطفة خوفا على المهديّ وأعرض عن ذكره له أوّلا وآخرا، فقتل الرسول ثانيا وتمادى على حاله، فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه وقاتله حتى الليل، فهرب اليسع ومن معه، وبات أبو عبد الله ومن معه في غمّ عظيم لا يدرون ما صنع بالمهديّ وولده. فلمّا أصبح خرج إليهم أهل البلد وأعلموهم بهرب اليسع، فدخل بأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهديّفاستخرجه منه وأخرج ولده. فلمّا رآهما الناس كانت فيهم مسرّة عظيمة كادت تطيش عقولهم. فقرّب أبو عبد الله إلى المهديّ وولده حصانين فركبا، وحفّت العساكر بهما، ومشى أبو عبد الله ووجوه القبائل بين يدي المهديّ، وأبو عبد الله يقول للنّاس: «هذا مولاكم ومولاي! » وهو يبكي من شدّة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له فدخله [٢٢٠ ب] وأمر بطلب اليسع فخرجت العساكر مسرعة إليه. فأقام إلى العشاء، ثمّ أمر أن يفرش قدّام الفسطاط وخرج إلى الناس وأحاطوا به يسمعون كلامه ويبكون، وهو في ذلك يثني عليهم ويذكر فضلهم. وأدركت العساكر اليسع فأخذوه ومن كان معه. فأمر بضرب اليسع فضرب بالسياط وطيف به العسكر، ثمّ قتل هو وأصحابه. وكان اليسع قد قطع عنه الطعام أيّاما حين سجنه (١). وكتب بفتح سجلماسة إلى إفريقيّة، وكان الناس لمّا خرج منها أبو عبد الله وغاب عنهم ظنّوا به الظّنون وشنّعوا الإشاعات. فعند ما ورد كتاب الفتح وظهور المهديّ سرّ الناس. وأقام المهديّ بعد الفتح بسجلماسة أربعين يوما، وكان ظهوره من سجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين ومائتين. قال مؤرّخ القيروان: «وكانوا يزعمون في قديم الزمان أنّ الثاني عشر من أبي طالب والد أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه هو الذي يصير إليه أمر المسلمين فيكون إماما، وذلك إذا دخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين. فكان كذلك».