page 1691, entry [2298]Open original source
[بين ابن عبّاس وابن الزبير] وقال هشام الكلبي عن أبي مخنف (١*) وعوانة قالا: قال عبد الله بن الزبير يوما، وهو على منبر مكّة، وابن عبّاس حاضر: إنّ ههنا رجلا أعمى الله قلبه [٢٠٥ أ] كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، يفتي في القملة والنملة، وقد حمل ما في بيت مال البصرة وترك أهلها يرضخون النوى. وكيف يلام على ذلك، وقد قاتل أمير المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ومن وقاه بيده- يعني طلحة ﵁؟ فقال ابن عبّاس لقائده سعيد بن جبير: «استقبل بي ابن الزبير! » ثم حسر عن ذراعيه وقال: يا ابن الزبير [الرجز]: إنّا إذا ما فئة نلقاها ... نردّ أولاها على أخراها حتّى تصير ضرعا دعواها ... قد أنصف القارة من راماها (٢*) يا ابن الزبير، أمّا العمى فإنّ الله يقول: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج، ٤٦]. وأمّا فتياي في النملة والقملة فإنّ فيهما حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك. وأمّا حمل مال البصرة فإنّه كان مالا جبيناه ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقيّة هي دون حقّنا في كتاب الله وسهامه، فأخذناه بحقّنا.وأمّا المتعة فإنّ أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر في آل الزبير، فسل أمّك عن بردي عوسجة! وأمّا قتال أمّ المؤمنين فبنا سمّيت أمّ المؤمنين لا بك وبآبائك، فانطلق أبوك وخالك- يعني طلحة- فعمدا إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثمّ اتّخذاها فئة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما في بيوتهما. فو الله ما أنصفا الله ولا محمّدا ﷺ في ذلك. وأمّا قتالنا إيّاكم فإن كنّا لقيناكم زحفا ونحن كفّار فقد كفرتم بفراركم من الزحف. وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا. وايم الله! لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت لك عظما مهمورا (١) إلّا كسرته! فلمّا نزل ابن الزبير سأل أمّه عن بردي عوسجة فقالت: ألم أنهك عن ابن عبّاس وبني هاشم؟ فإنّهم كعم (٢) الجواب إذا بدهوا. قال: بلى، فعصيتك. قالت: فاتّقه، فإنّ عنده فضائح قريش. فقال في ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسديّ [البسيط]: يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة ... من البوائق فالطف لطف محتال [٢٠٥ ب] لقيته هاشميّا طاب مغرسه ... في منبتيه كريم العمّ والخال ما زال يقرع منك العظم مقتدرا ... على الجواب بصوت مسمع عال حتى رأيتك مثل [الضبّ] منحجرا ... خلف الغبيط، وكنت البادئ الغالي إنّ ابن عبّاس المحمود حكمته ... حبر الأنام له حال من الحال عيّرته المتعة المتبوع سنّتها ... وبالقتال، وقد عيّرت بالمال لمّا رماك على رسل بأسهمه ... جرى عليك كسوف الحال والبال واعلم بأنّك إن حاولت نقصته ... عادت عليك مخاز ذات أذيال (١*) وقال حسّان بن ثابت الأنصاري في عبد الله بن عبّاس ﵁، وقد كلّم عاملا في الأنصار وكلّمه فيهم غيره فلم يبلغ أحد منهم مبلغه في الكلام حتّى قضيت حاجتهم [الطويل]: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا ترى بينها فصلا كفى، وشفى ما في النفوس، ولم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا وقال أبو الزناد عن الأعرج عن عبد الرحمن بن حسّان عن أبيه حسّان بن ثابت قال: بدت لنا معشر الأنصار إلى الوالي حاجة، وكان الذي طلبنا أمراصعبا. فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم، فكلّموه وذكروا له وصيّة رسول الله ﷺ بنا. فذكرصعوبة الأمر فعذره القوم وخرجوا. وألحّ عليه ابن عبّاس فو الله ما وجد بدّا من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتّى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية. فصحت وأنا أسمعهم: إنّه والله كان أولاكم بها! إنّه والله صبابة النبوّة ووراثة أحمد ﷺ، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه! فقال القوم: أجمل! أجمل يا حسّان! فقال له ابن عبّاس: صدقوا فأجمل! فأنشأ حسّان يمدح ابن عبّاس فقال: إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا [٢٠٦ ب] كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا ٥ خلقت حليفا للمروءة والنّدى ... بليجا ولم تخلق كهاما ولا جبلا (١) فقال الوالي: والله ما أراد بالكهام والجبل غيري، فالله بيني وبينه. وقال عطاء عن ابن عبّاس: المعروف أوثق الحصون، وأرشد الأمور، ولن يصلح المعروف إلّا بتعجيله وستره وتصغيره، فإنّك إذا عجّلته هنّأته، وإذا سترته أتممته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا مطلته نكّدته ونغّصته. وقال عبد الله بن بريدة عن كعب الأحبار (١*) أنّه كان عند معاوية، فقرأ معاوية: في عين حامية، فقال كعب: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦]، فلم يقبل منه وقال: عليّ بابن عبّاس! فلمّا جاء قال: كيف تقرءونها؟ فوافق كعبا، فلم يرجع معاوية، فغضب كعب، فقال ابن عبّاس: لا تغضب يا كعب، فإنّك من الذين أوتوا الكتاب، تؤمن به. ومعاوية من الأحزاب ينكر بعضه. فقال معاوية: أمشاتمي أنت يا ابن عبّاس؟ قال: إن شئت. قال: قد شئت. فقال: لولا البيعة التي لك عندي، ولولا السلطان لفعلت. قال: فلا بيعة لي عليك ولا سلطان، فقل! قال: بل أجلّك يا أمير المؤمنين وأكرمك. فسكن بعض غضبه، ثم قام إلى الصلاة وقال: أطبق المصحف يا غلام، فإنّي ما أرى الحرف إلّا كما قالا. ولمّا أنكر الخوارج [٢٠٧ أ] على عليّ، ﵁، تحكيم الحكمين وانحازوا عنه، خرج إليهم ابن عبّاس، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عبّاس، ما جاء بك؟ (٢*)