page 1624, entry [2234]Open original source
[تثبيت أسماء بنت أبي بكر لابنها] وقوي الحجّاج وانتشر أصحابه من الحجون إلى أبواب المسجد. فدخل عبد الله على أمّه أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﵁، وهي بنت مائة سنة فقال: يا أمّاه، قد خذلني الناس، حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلّا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما [١٤٩ ب] أردت من الدنيا، فما رأيك؟ قالت: أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ وأنّك تدعو إليه فامض له، فقد قتل عليه أصحابك. فلا تمكّن من رقبتك تتلعّب بها غلمان بني أميّة. وإن كنت إنّما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك ومن قتل معك. وإن قلت: كنت على الحقّ، فلمّا وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن! فقال: يا أمّاه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثّلوا بي ويصلبوني. قالت: يا بنيّ، إنّ الشاة لا تتألّم بالسلخ بعد الذبح. فامض على بصيرتك، فإنّك على الحق. واستعن بالله. فقبّل رأسها وقال: هذا رأيي، والذي خرجت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت ولا أحببت الحياة فيها. وما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله وأنتستحلّ حرماته. ولكنّي أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة. فانظري يا أمّاه فإنّي مقتول في يومي هذا، فلا يشتدّ حزنك وسلّمي لأمر الله فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكمه، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمّالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضى ربّي. اللهمّ إنّي لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن أقول تعزية لأمّي حتّى تسلو عنّي. فقالت: إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيكجميلا، إن تقدّمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك. اخرج حتى انظر إلى ما يصير أمرك. فقال: جزاك الله خيرا! فلا تدعي الدعاء لي! فقالت: لا أدع الدعاء لك أبدا. فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ. ثم قالت: اللهمّ احم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكّة والمدينة، وبرّه بأبيه وبي، اللهمّ قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين. فتناول يدها ليقبّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئت مودّعا لأنّي أرى هذا آخر أيّامي من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك وادن منّي حتى أودّعك. فدنا منها فعانقها وقبّلها فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد. فقال: ما لبسته إلّا لأشدّ منك. قالت: فإنّه لا يشدّ منّي. (١) فنزع درعه ثم درج كمّيه وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل وأدخل أسفلها تحت المنطقة، وأمّه تقول: البس ثيابك مشمّرة! فخرج وهو يقول [الرجز]: إنّي إذا أعرف يومي أصبر ... وإنّما يعرف يومه الحرّ إذ بعضهم يعرف ثمّ ينكر فقالت: [تصبر إن شاء الله! أبواك أبو بكر والزبير، وأمّك صفيّة بنت عبد المطّلب. فحمل على أهل الشام حملة منكرة، وقاتلهم قتالا شديدا، فتعاوروا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة، وله ثلاث وسبعون سنة] (١*).