page 1618, entry [2228]Open original source
[موت يزيد وانتصاب ابن الزبير خليفة] وما زال ابن الزبير محصورا حتى قدم نعي يزيد بن معاوية (١) لهلال ربيع الآخر. فبلغه ذلك قبل أن يعلم به الحصين، وكان الحصار قد اشتدّ على ابن الزبير ومن معه. فأمر أن ينادى: «علام تقاتلون، وقد هلك طاغيتكم؟ » فلم يصدّق الحصين ذلك. فما هو إلّا أن أصبح [حتى] قدم الخبر بمهلك يزيد فانحلّ أمره. وبعث إلى ابن الزبير فقال: موعد ما بيننا الليلة الأبطح. فالتقيا وتحادثا. فكان ممّا قال الحصين: أنت أحقّ بهذا الأمر. هلمّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم. فو الله لا يختلف عليك اثنان. ولنا عليك أن تؤمّن الناس، وتهدر الدماء التي كانت بيننا وبينك والدماء التي كانت بالحرّة. فأبى ابن الزبير أن يهدر الدماء وقال: والله لا أرضى أن أقتل بكلّ رجل منهم عشرة! وكان الحصين يكلّمه سرّا، وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل. فقال له الحصين: قبّح الله من يعدّك بعد هذا داهيا أو أريبا! وقد كنت أظنّ أنّ لك رأيا: أنا أكلّمك سرّا وتكلّمني جهرا. وأنا أدعوك للخلافة وتعدني القتل والهلكة! وتركه راحلا إلى الشام بمن معه. فندم ابن الزبير وأرسل إليه: أمّا المسير إلى الشام فلا أفعله. ولكن بايعني، ثمّ بايع لي أنت ومن معك هناك، فإنّي مؤمّنكم وعادل فيكم. فردّ عليه: إن لم تقدم بنفسك لا يمشي الأمر. ومضى لوجهه. فدعا عند ذلك ابن الزبير إلى نفسه فبايعه من معه بمكّة ودعوه بأمير المؤمنين في جمادى الأولى سنة أربع وستّين. وترك الشعار الذي كان عليه وهو: لا حكم إلّا الله. وبعث أخاه عبيد الله بن الزبير إلى المدينة فاستولى عليها، وأخرج منها مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وسائر بني أميّة فمضوا إلى الشام. وبعث ابن الزبير عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم إلى مصر أميرا عليها فبايعه أهلها. وقام بالبصرة سلمة بن ذؤيب الحنظليّ في السوق وبيده لواء وقال: أيّها الناس، هلمّوا إليّ! إنّي أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد: أدعوكم إلى العائذ بالحرم- يعني عبد الله بن الزبير. فاجتمع إليه ناس وبايعوه. فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد وهو يومئذ [١٤٦ ب] أمير البصرة والكوفة، وقد ضعف سلطانه عندهم وانتقض أمره. واختفى حتّى فرّ إلى الشام، وذلك في جمادى الأولى. فبعث ابن الزبير إلى البصرة عمر بن عبيد الله، ثمّ صرفه بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الملقّب «قباع» (١*).وثار أهل الكوفة أيضا بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد عليهم، وأقاموا عمر بن سعد وكتبوا لابن الزبير ببيعتهم فأقرّه. ثمّ بعث إليهم عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاريّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمّد بن طلحة على الخراج. واستعمل محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل. فاجتمع له أهل الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الجزيرة وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر وأهل الشام، إلّا أهل الأردنّ. فإنّ حسان بن مالك بن بجدل الكلبيّ قام بالأردنّ يدعو إلى بني أميّة. فاجتمع الحصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، وروح بن زنباع [الجذامي]، وحسّان بن بجدل، وبايعوا مروان بن الحكم بالجابية لثلاث خلون من ذي القعدة [سنة أربع وستّين]. وأوقع [مروان] بالضحّاك بن قيس، واستولى على دمشق وحمص وقنّسرين. وسار إلى مصر في سنة خمس وستّين وقاتل ابن جحدم وأخرجه منها، وبايعه أهلها. وبعث جيش بن دلجة على جيش لقتال ابن الزبير. وعاد إلى الشام فمات في رمضان منها، وبويع بعده ابنه عبد الملك بن مروان.