page 1616, entry [2226]Open original source
[المفاوضة بين رءوس الشام وابن الزبير] وصار النعمان بن بشير يخلو بابن الزبير في الحجر كثيرا. فقال عبد الله بن عضاه يوما: يا ابن الزبير، إنّ هذا الأنصاريّ والله ما أمر بشيء إلّا وقد أمرنا بمثله، إلّا أنّه قد أمّر علينا، وإنّي لا أدري والله ما بين المهاجرين والأنصار. فقال ابن الزبير: ما لي ولك؟ إنّما أنا بمنزلة حمام من حمام مكّة. أفكنت قاتلا حماما من حمام مكّة؟ [١٤٤ ب] قال: نعم، وما حرمة حمام مكّة؟ يا غلام، ائتني بقوسي وأسهمي! فأتاه بقوسه وأسهمه فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثمّ سدّده نحو حمامة من حمام المسجد ثمّ قال: يا حمامة، أيشرب يزيد بن معاوية الخمر؟ قولي نعم. والله لئن فعلت لأرمينّك! يا حمامة، أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمّة محمد، وتقيمين في الحرم حتى يستحلّ به؟ والله لئن فعلت لأرمينّك! فقال ابن الزبير: ويحك! أو يتكلّم الطائر؟ قال: لا، ولكنّك يا ابن الزبير تتكلّم، وأقسم بالله لتبايعنّ طائعا أو مكرها، أو لتعرفنّ راية الأشعريّين في هذه البطحاء، ثم لا أعظّم من حقّها ما تعظّم. فقال ابن الزبير: أو تستحلّ الحرم؟ فقال: إنّما يستحلّه من ألحد فيه. فحبسهم شهرا، ثمّ ردّهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء. وقال أبو العبّاس الأعمى في [قول] عبد الله بن الزبير [إنّ] بطنه شبر [البسيط]: ما زال في سورة الأعراف يدرسها ... حتى فؤادي مثل الخزّ في اللين لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد ... أفضلت فضلا كبيرا للمساكين ومضى عبد الله بن الزبير إلى صفيّة بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وذكر أنّ خروجه كان غضبا لله ﷿ ورسوله ﷺ والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه يزيد بالغيّ، وسألها مسألته أن يبايعه. فلمّا قدّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلّا إلى طاعة الله ﷿ وأكثرت القول في ذلك. فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحجّ عليها الشهب؟ فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ! وقيل لابن الزبير: الصلح أجمل. فقال: والله لضربة سيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربة سوط في ذلّ. ودعا لنفسه وحجّ بالناس سنة ثلاث وستّين وهو يسمّى يومئذ «العائذ» ويري أصحابه أنّ الأمر شورى. وأقام على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس. فجاءه الخبر بوقعة الحرّة (١*) هلال المحرّم سنة أربع وستّين مع المسوّر بن مخرمة ففجأه أمر عظيم واستعدّ هو وأصحابه، وعرفوا أنّ مسلم بن عقبة (٢*) المرّي نازل بهم. فسار إليه مسلم بعد فراغه من وقعة الحرّة، فهلك في طريقه إليه، واستخلف على قتال ابن الزبير الحصين بننمير السكوني. فسار بالناس حتى قدم [١٤٥ أ] مكّة لأربع بقين من المحرّم، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز ابن الزبير واجتمعوا عليه. ولحق به من انهزم من أهل المدينة، وأتاه المستبصر والخارجيّ والمرجى والشيعيّ وأهل الأهواء جميعا لينصروا الحرم. وقدم عليه من الخوارج نجدة بن عامر الحنفيّ وبنو الماحوز عبد الله وعبيد الله والزبير. وأتاه أبو راشد نافع ابن الأزرق الحنظليّ الحنفيّ، وحسّان بن بحدج الذهليّ، وكرّاز بن ربيعة، وإياس بن مضارب العجليّ، والقاسم بن ثرملة الغرني، وأبو فديك عبد الله بن ثور من بني قيس بن ثعلبة، وعيسى الخطّي، وسلمة الهجيميّ، وبرج بن عنان الراسبيّ، وسعيد بن مسروح الشيبانيّ، وهؤلاء رءوس الخوارج. فسرّ بهم وأخبرهم أنّه على مثل رأيهم من غير تفتيش. ثمّ تكلّم في المسجد الحرام وأعلم الناس بأنّ يزيد بن معاوية قد بعث جيشا ليستحلّ حرمة هذا البيت ومن عاذ به. وقال: «إنّما نحن وأنتم عائذون به». ثمّ ألصق بطنه بين الركن والباب وقال: «هذا مقام العائذ بك من الظلم! » فأجابه الناس إلى نصرته والقيام معه والذبّ عن حرم الله وأمّته، وشمّروا وتهيّئوا لعدوّهم في السلاح والخيل. وجعل عبد الله شعاره: «لا حكم إلّا لله! »، و [هو] لا يذكر الخلافة، وإنّما يسمّى العائذ. ثمّ خرج بمن معه إلى لقاء الحصين. فبارز المنذر بن الزبير رجلا من أهل الشام وجعل يرتجز: يأبى الحواريّون إلّا وردا ... من يقتل اليوم يزوّد حمدا ويقول أيضا: لم يبق إلّا حسبي وديني ... وصارم تلتذّه يميني فما زال يقاتل حتى ضرب كلّ منهما صاحبه ضربة مات منها. ثمّ حمل أهل الشام على [١٤٥ ب] أصحاب ابن الزبير حملة انكشفوا منها، وعثرت بغلة ابن الزبير فقال: تعسا! ثمّ نزل وصاح بأصحابه فأقبل منهم المسوّر بن مخرمة (١*) ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في طائفة، فقاتلوا حتى قتلوا جميعا، وابن الزبير صابر لهم إلى الليل، فانصرفوا عنه. وهذا هو الحصر الأوّل. وأقاموا على ابن الزبير يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفرا كلّه، حتى إذا مضت ثلاثة أيّام من ربيع الأوّل، قذفوا الكعبة بالمجانيق وحرقوها بالنار يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الأوّل فارتجزوا: خطّارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد