page 1538, entry [2174]Open original source
[حجّاب المنصور] وكان عيسى بن روضة- وهي أمّه، وأبوه نجح- عبدا لآل طلحة، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد قبل خلافة السفّاح فقال: لئن ملكنا لنشترينّه، فإنّي لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل.فلمّا ولي السفّاح سأله أن يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيّع فعزله عن حجابته. وكان مع عيسى بن روضة مرزوق أبو الخصيب مولاه أيضا. فلمّا نحّى ابن روضة صيّر أبا الخصيب مكانه. وكان الربيع مع أبي الخصيب. فلمّا مات أبو الخصيب صار الربيع مكانه. وكان من خبر الربيع أنّ يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة وقع على جارية لجدّته فاشتملت منه على الربيع. ولمّا ولدته جحده يونس فباعته جدّته لمّا شبّ، فاشتراه زياد بن عبيد الله الحارثيّ خال أبي العبّاس السفّاح في خمسين غلاما بالمدينة، وهو عامل المنصور عليها، وأهداهم إليه، وقيل: بل أهداهم إلى أبي العبّاس. ثمّ صار الربيع إلى المنصور فصيّره مع أبي الخصيب، ثم ضمّه إلى ياسر صاحب وضوءه، والربيع يومئذ ابن ثماني عشرة سنة. وحجّ المنصور في تلك السنة، وكان ياسر إذا وضع المنصور [٩٧ أ] الماء عند نزوله لحاجته لم يرم حتى يفرغ المنصور من الاستنجاء. فاعتلّ ياسر فصيّر الربيع يقوم مقامه في الخدمة، فكان إذا وضع الماء للمنصور تنحّى عنه، فإذا تحرّك صار إلى الإبريق فأخذه. فقال له: «ويحك يا غلام، ما أكيسك وأخفّك على قلبي! » وسأله عن سنّه فزاد فيها ليتكبّر بذلك، فأعجبه ما رأى منه. ورأى المنصور في طريقه كتابا على حائط فقرأه فإذا هو [الطويل]: وما لي لا أبكي وأنشد ناقتي ... إذا صدر الرعيان عن كلّ منهل وفي أسفله: آه! آه! فجعل المنصور يردّد نظره في ذلك فينكره. فقال الربيع: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلّمت. فقال: تكلّم! قال: أتبع البيت تأوّها وحكاية للبكاء. فأعجبه ما رأى من فطنته فقال: «قاتلك الله! » وأعتقه وصيّره مكان ياسر. ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب. فلمّا مات صيّره مكانه. فدخل بعض الهاشميّين على المنصور يوما فذكر أباه فترحّم عليه. فقال له الربيع: مه! أتترحّم على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: إنّك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر عليّ ما قلت! وأمر المنصور رجلا ولّاه عملا بالقصد فقال: عليك بالقصد والسداد فإنّه كان يقال: الظمأ الفادح خير من الريّ الفاضح!