page 1159, entry [1677]Open original source
١١٩٤ - الأمير حسن ابن الحافظ العبيديّ [- ٥٢٩] (٣) [٤٦٦ أ] حسن بن عبد المجيد بن محمد بن معدّ بن عليّ بن منصور بن نزار بن معدّ بن إسماعيل بن محمد بن عب [ي] د الله، الأمير أبو [ ... ]، ابن الخليفة أمير المؤمنين الحافظ لدين الله أبي الميمون. كان عاقّا لأبيه، خرج عليه وحصره بالقصر يريد أخذه على أمره. وكان عاقبة عقوقه أن قتل. وكان من خبره أنّ أباه الحافظ لدين الله عهد إلى ابنه سليمان، فمات بعد شهرين، وكان أسنّ أولاده. فترشّح حسن لولاية العهد من أجل أنّه أسنّ من بقي من إخوته، فلم يرضه أبوه لذلك وعهد إلى ابنه حيدرة، وجعل إليه النظر في المظالم، فشقّ ذلك على حسن، مع ما كان له من الأموال والبلاد والكثير من المواشي والمراكب.وصار له ديوان مفرد، فدعا لنفسه، وكاتب الأمراء والأجناد، وعوّل على اعتقال أبيه، وأطمع الناس فيما يوصلهم إليه إذا تمّ أمره. فامتدّت إليه الأعناق، وركب للحرب. فواقعه أخوه حيدرة. وصار العسكر فرقتين: فرقة مع أبي تراب حيدرة، وفرقة مع حسن، وهي الريحانيّة والجيوشيّة (١). وجرت بينهما وقعة عظيمة في يوم الأربعاء خامس عشر رمضان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بين القصرين، قتل فيها من الفريقين نحو عشرة آلاف رجل، وفرّ حيدرة إلى أبيه. فبعث الحافظ إلى حسن ليسكّن الفتنة، فلم يدخل إليه وطالبه بحيدرة، وضايق القصر وحاصره حصرا شديدا، وصاح الجند: يا حسن، يا منصور! يا للحسنيّة! . وكانت هذه أوّل مصيبة نزلت بالدولة، لقتل عدّة لا يسمح الزمان بتربية مثلهم. واستحرّ القتل في الريحانيّة بحيث لم يسلم منهم إلّا من ألقى بنفسه في النيل من ناحية المقس. وصار إلى حسن أوباش العسكر وذعّار (٢) الناس، وفرّق فيهم الزرد وسمّاهم «صبيان الزرد»، وجعلهم خاصّته، فكانوا لا يفارقو [ن] هـ، إن ركب ساروا حوله، وإن نزل لازموه. فلم يجد الحافظ بدّا من مداراته، وولّاه العهد من بعده وكتب بذلك سجلّا قرئ في يوم الخميس لأربع بقين من رمضان، وأركبه بشعار الخلافة ونعته بوليّ عهد أمير المؤمنين. فتمكّن حسن من الدولة وتصرّف فيها ولم يبق للحافظ معه حكم. وقتل قاضي القضاة سراج الدين أبا الثريّا نجم بن جعفر، وقتل ناظر الدواوين الشريف معتمد الدولة عليّ بن جعفر ابن العسّاف، وقتل زمام المؤمنين وولّى أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر [القيسرانيّ] (٣) القضاء، وقتل [٤٦٦ ب] جماعة من الأمراء وأقام غيرهم. فاختفى منه الحافظ وحيدرة، وجدّ في طلبهما، فأخرق بأوباشه ناموس القصر وهتك حرمته. وصار يفيّش (٤) على أبيه وأخيه، وأوباشه مع ذلك تحسّن له كلّ رذيلة. فبسط يده في أذى الناس، فتغيّرت الخواطر، وعزم من بقي من أمراء الدولة على خلع الحافظ من الخلافة وخلع حسن من ولاية العهد، واجتمعوا بين القصرين وبعثوا إلى الحافظ يعلمونه بما يفعلونه، فاعتذر إليهم، وبعث الأستاذ وفيّ الدولة إسعاف (٥) إلى الصعيد، فجمع من الريحانيّة وغيرهم أمما لا يحصيها إلّا الله ليقاتل بهم الأمير حسن ابن الحافظ. فبلغ ذلك حسن [ا] فبعث إليه جيشا عرمرما، وخرج. فلمّا التقى الجمعان هبّتريح سوداء في وجوه أصحاب إسعاف، فركبهم عسكر حسن فلم يفلت منهم [إلّا] القليل وغرق أكثرهم في النيل، وقتلوا، وأخذ إسعاف وأدخل به إلى القاهرة على جمل، وفوق رأسه طرطور أحمر إلى بين القصرين، فرشق بالنشّاب حتّى مات. وألقي من القصر الغربي أيضا بأستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء. فلما اشتدّ الأمر بالحافظ، تحيّل على حسن بأن ألقى إليه من القصر رقعة فيها: يا ولدي، أنت على كلّ حال ولدي، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر، ما أراد أن يصيبه مكروه، ولا يحملني قلبي. وقد انتهى الأمر إلى أنّ أمراء الدولة- وسمّاهم- وقد شددت وطأتك عليهم وخافوك، قد عوّلوا على الفتك بك (٦)، فخذ حذرك يا ولدي!فلمّا وقف حسن على الورقة قامت قيامته وقبض على أولائك عند حضورهم للسلام عليه وقتلهم. فاشتدّت المصيبة بفقد أركان الدولة وأعضادها، وكانت أشدّ من المصيبة بالريحانيّة. فعند ذلك نفرت القلوب وعزم من بقي على خلع الحافظ من الخلافة، وحسن من ولاية العهد. وكان تاج الدولة بهرام الأرمنيّ قد فرّ من حسن وولي الغربيّة، فلمّا علم تغيّر خواطر جميع الناس على حسن، جمع الناس وسار لحربه، فتسلّل إليه العسكر ولم يبق مع حسن سوى الرجّالة من الجيوشيّة [والإسكندريّة والفرحيّة] (١) ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء. فتحيّر حسن في أمره ولم يدر ما يصنع، وألجأته الضرورة إلى أن لحق بالقصر وصار إلى أبيه. فقبض عليه وقيّده، فأعلم بذلك الأمراء، وكان قد اجتمع بين القصرين من الفارس والراجل عشرة آلاف. فراسلهم الحافظ بأنّه قد أزال أمر حسن، وأنّه لا يتصرّف أبدا، ووعدهم بالزيادة في إقطاعاتهم. فلم يقبلوا ذلك وقالوا: إمّا نحن، وإمّا هو، وما لم تتحقّق الراحة منه وإلّا فلا حاجة لنا بك أيضا، ونخلع طاعتك. وأحضروا الأحطاب وأشعلوا فيها النار لإحراق القصر وبالغوا في الإقدام عليه، فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى قتل حسن بعد ثلاثة أيّام، ليقتله في ستر. ودبّر مع أبي سعد ابن قرقة سقيّة بعثها مع عدّة من الصقالبة فأكرهوه حتى شربها، فمات في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وجعل على سرير وأعلم العسكر بموته، فلم يثقوا بذلك وبعثوا الأمير المقدّم جلال الدين أبا عبد الله محمد جلب راغب ليراه، فدخل عليه وهو مسجّى وعليه ملاءة، فكشف عن وجهه وغرس حديدة كانت معه في عدّة من مقاتله حتى تيقّن أنّه قد هلك، فعاد وأعلمهم بموته فتفرّقوا. وكان حسن جريئا مفسدا، أراد قلب الدولة، وقدّم الأراذل وأخرب بيوتا كثيرة وأكثر الفساد، وصادر الناس وأخذ أموالهم، وأراق دماء عظيمة بغير حقّ. وفيه يقول أبو علي حسن بن زيد بن إسماعيل بن علي بن محمد الأنصاري الأبيات التي قتله (٢) بها [البسيط]: لم تأت يا حسنا بين الورى حسنا ... ولم تر الحقّ في دنيا ولا دين قتل النفوس بلا جرم ولا سبب ... والجور في أخذ أموال المساكين لقد جمعت بلا علم ولا أدب ... تيه الملوك وأخلاق المجانين