page 1142, entry [1654]Open original source
[حزمه في معاملة الروم البيزنطيين] وكانت الهدنة قد انعقدت مع الروم في وزارة أبي نصر الفلاحيّ، وقدم من قبلهم رسولان، أحدهما يعرف بابن اصطفانوس هو المتكلّم- وكان داهية أديبا شاعرا نحويّا فيلسوفا نظّارا، ولد ببلاد الروم ونشأ بأنطاكية، ودخل إلى العراق وأخذ عن العلماء والأدباء، فاشتهر ذكره وبعد صيته. والآخر صاحب حرب يعرف بميخائيل، فأعجبهما زيّ الدولة وكريم أفعالها وجميل سيرتها، سيّما ميخائيل فإنّه أطربه ذلك، وكان خيّرا عاقلا. فلمّا عاد [ا] إلى بلادهما، قضت الأقدار بموت متملّك الروم وتملّك ميخائيل هذا بعده، فأقام في المملكة نحو الخمس سنين. وقصر النيل بمصر في سنة أربع وأربعمائة، ولم يكن بالمخازن السلطانيّة شيء من الغلال، فاشتدّت المسغبة، وغلا السعر، وكان لخلوّ المخاون سبب: وهو أنّ الوزير الناصر للدين أبا محمد اليازوريّ لمّا أضيف إليه القضاء في وزارة أبي البركات الجرجرائيّ، كان ينزل إلى جامع عمرو بن العاص بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كلّ أسبوع ليجلس في الزيادة منه (١) للحكم، على رسم من تقدّمه من القضاة. فإذا صلّى العصر طلع إلى القاهرة، وكان في كلّ سوق من أسواق مصر عريف على أرباب كلّ صنعة يتولّى أمورهم. ومن عادة أخباز مصر في أزمنة الغلاء أنّها متى بردت لم يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به، وكان لعريف الخبّازين دكّان يبيع الخبز. وبجانبها دكّان رجل صعلوك يبيع بها الخبز أيضا، والسعر يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أنّ خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده فنادى عليه: أربعة أرطال بدرهم! [٣٦٣ أ] ليرغّب الفقير فيه. فمال الناس إليه لأجل تسمّحه بثمن درهم، واشتروه بأجمعه، وبقي خبز العريف عشرة دراهم، فلم يطق ذلك ومضى إلى الجامع واستغاث بقاضي القضاة، وكان هناك، فأحضرالمحتسب وأنكر عليه، فقال: العادة جارية باستخدام عرفاء في الأسواق على أرباب الصنائع، وتقبّل قولهم فيما يذكرونه، وقد حضر عريف الخبّازين بالسوق الفلانيّ واستدعى عونين من الحسبة، فوقع الظنّ أنّه أنكر شيئا يوجب فعل ذلك، فاستدعى القاضي الخبّاز وأمره، فقصّ على المحتسب خبره، فقال القاضي للمحتسب: رجل يرخص على الناس أقواتهم فيجازى على ذلك بما يؤذيه- ثمّ سأل الخبّاز كم أخذ منه، فقال: أخذ منّي العريف خمسة دراهم، وكلّ ما في يدي مائة درهم. فقال: يصرف هذا العريف عاجلا، ويغرّم ما أخذه من هذا المسكين ويعاد إليه. والتفت إلى صاحب دواته فقال له: انظر ما معك فادفعه إلى هذا الخبّاز.