page 1137, entry [1648]Open original source
[قبوله خطّة القضاء بنصيحة من مولاته] فلمّا كان في غد ذلك اليوم وهو الثاني من المحرّم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، استدعي إلى حضرة أمير المؤمنين وخلع عليه وقرئ سجلّه في الإيوان، وخرج والدولة بأسرها بين يديه. فأقام في تنفيذ الأحكام عدّة أيّام وولداه (١) ينوبان عنه في باب الريح، وجعل الوزير يبعث للسيّدة من يطارحها في ذكر بابها ويعرّض لها بذكر ولد الوزير، فقالت: وما هو الأمر الذي يعجز ولدا القاضي أبي محمد عنه، وقد لقنا فعل أبيهما وفهما منه ما يحتاجان إليه، ومع ذلك إلى أن يجيء أبوهما، وما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب. فلمّا سمع ذلك الوزير أبو البركات، أسقط في يده وقال: أردنا وضعه، والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل صاعد: أمّا إذا جرى الأمر بخلاف ما ظننّاه وأملناه، فليس إلّا مجاملة الرجل ومواثقته على السلامة، فتواثقا وتعاهدا، وصار لا يسلّم على الوزير ولا يجتمعان إلا يوما في الشهر، يحضر إليه في داره، فإذا صار إليه احتجب الوزير عن كلّ أحد، وخلا به، وبالغ في إكرامه، وهو في الباطن يدبّر عليه. فكفاه الله أمره، وقبض عليه وشغرت [٣٦١ أ] رتبة الوزارة عدّة أيّام، والسيّدة تعرضها على اليازوريّ وهو يمتنع، فأقيم أبو الفضل صاعد وخلع عليه وعمل واسطة لا وزيرا، فصار إذا أحبّ أن يعرض على الخليفة أمرا ممّا يتعلّق به يتقدّم اليازوريّ إلى الحضرة، ثمّ يستدعي بأبي الفضل، فإذا عرض ما أحبّ لا يجيبه إلّا اليازوريّ، فصار في نفسه منه مثل ما كان في نفس غيره من الوزراء، وأقبل ينصب عليه ويحمل الرجال على مكروهه ويوهمهم أنّه إذا سأل لهم زيادة أو ولاية، يعترضه اليازوريّ بما يبطل رأيه ويفسده. فاستدعى ناصر الدولة حسين بن حمدان (٢) بعض خواصّ اليازوريّ وقال له: اعلمأنّ القاضي له من الثناء الجميل كثير، ونحن شاكرون له، معتذرون بجميله، مفتقرون إلى جاهه في جميع أمورنا. واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمّنا إن وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت. وهذا الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنّه يجهد في قضاء حوائجهم، وأنّه يعترضه بما يبطلها عليهم، وفي هذا الأمر ما يعلمه. فقل له عنّي: يا سيّدنا، أمّا إذا تريد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نيّاتهم في طاعتك، فادخل في هذا الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذاك لك وشكروه منك، وإن أسأت كان لك ضرره وشرّه. وإلّا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال لئلّا يتلفك أبو الفضل. وإن أذن لي في المثول بحضرته ذكرت له ذلك. فلمّا بلّغ هذا لليازوريّ قال له: أمهلني الليلة وبكّر إليّ. فبكّر إليه وهو خال، فقال له: أعد عليّ قول ناصر الدولة. فأعاده، فقال: اقره عنّي السلام، وقل له: والله إلّا أدخل فيه ويكون لي خيره وشرّه! فأبلغ ذلك ناصر الدولة، فقال: هذا هو الصواب.