page 1136, entry [1647]Open original source
[سعي الوزير الجرجرائيّ لإقصائه عن السيّدة] فشقّ عليه ما صار إليه وأخذ في إعمال الحيلة، فأشار عليه أبو الفضل صاعد بن مسعود (١) أن يحسّن للخليفة تولية اليازوريّ القضاء، فإذا تقلّد القضاء وقع في هور (٢) كبير وشغله عن ملازمة السيّدة، فيصل الوزير حينئذ إلى استخدام ولده مكان اليازوريّ، ويستوي [٣٦٠ ب] له الأمر ويملك جهتي السلطان والسيّدة. فاتّفق حضور قاضي القضاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان عند الوزير وتقلّقه من خليفتيه أبي عبد الله محمد القضاعيّ وأبي عبد الله أحمد بن محمّد ابن أبي زكريّا وشكوى المذكورين من قاضي القضاة مع توعّك أبي محمد اليازوريّ وتخلّفه في داره أيّاما. فخلا الوزير بالخليفة وأعاد عليه ما ذكره كلّ من القاضي وخليفتيه وشنّع أمر قاسم وقبّحه. فقال الخليفة: فمن نستبدل به؟ فقال: عبيدك كثير؛ وبين يديك من يتجمّل الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك. فقال: ومن هو؟ قال: القاضي أبو محمد. فقال: ذاك في خدمة مولاتنا الوالدة، ولا تفسح له في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هي- خلّد الله ملكها- أغير على دولتك وأحسن نظرا إليها من أن تحول بينها وبين ما يجمّلها، ومع هذا فلم ينقل ممّا هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام وقد استقرّ هذا وتمّ له ما أراده، وشرع في الحال في كتابة سجلّه وإعداد الخلع له ليخلع عليه في غد ذلك اليوم خوفا من نقض ما استقرّ. وبلغ ذلك كلّه القائد رفق فأنفذ إلى اليازوريّ وقصّ عليه الخبر، وقال له: تلطّف في أمرك كما تريد. فعظم هذا على اليازوريّ وخاف من إبعاده عن خدمة السيّدة، فإنّها كانت أجلّ الخدم وأوفاها وأسناها محلّا وأغناها، فإنّ كلّ من كان في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج إليه. فلمّا كان مع عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم، وركب إلى باب الريح (٣)، ودخل وأعلمها مكانه، فأكبرت حضوره في مثل ذلك الوقت مع ما تعلمه من توعّك بدنه. فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه وما الذي دعاه إلىالعناء في هذا الوقت على ما هو عليه، فرمى نفسه بين يديها وقصّ عليها القصّة كلّها، وقال: إنّما الغرض إبعادي عن خدمتك وحرماني السعادة التي ألحقتني بها ليقع التّمكّن منّي. قالت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا، هور الحكم واسع. وأحوال قاضي القضاة قاسم بن النعمان فيه مشهورة. ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف والحاجة داعية إلى تجديد إصلاحه وإحكام نظامه، وفي هذا شغل كبير؟ فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابي لك، وخدمتي موفورة عليك ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا، قد قدّمت القول إنّ هور الحكم كبير واسع، واشتغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك. فقالت: خلفاؤك في الحكم، القضاعيّ وابن أبي زكريّا هما ينفّذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه. فإذا تحرّرت الأحكام نزلت ففصلت ذلك. وقرّر لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام، فإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي. وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبّل الأرض لها ودعا وشكر وانصرف.