page 1072, entry [1567]Open original source
[وقصّة نصر بن حجّاج مع شميلة] وكما قالوا بالمدينة: أصبّ من المتمنّية، قالوا بالبصرة: أدنف من المتمنّى. وذلك أنّ نصرا لمّا ورد البصرة أخذ الناس يسألون عنه ويقولون: «أينالمتمنّى الذي سيّره عمر؟ » فغلب عليه هذا الاسم بالبصرة كما غلب ذلك الاسم [٣٣٩ أ] على عاشقته بالمدينة. وذلك أنّه لمّا نزل البصرة أنزله مجاشع بن مسعود منزله من أجل قرابته، وأخدمه امرأته شميلة، وكانت أجمل امرأة بالبصرة فعلقته وعلقها، وخفي على كلّ واحد منهما خبر الآخر لملازمة مجاشع ضيفه. وكان مجاشع أمّيّا، ونصر وشميلة كاتبين. فعيل صبر نصر فكتب على الأرض بحضرة مجاشع: إنّي قد أحببتك حبّا لو كان فوقك لأظلّك أو تحتك [لأقلّك]. فوقّعت تحته غير محتشمة: «وأنا»، فقال مجاشع لها: ما الذي كتب؟ قالت: كتب: ما الذي تحلب ناقتكم؟ فقال: وما الذي كتبت تحته؟ فقالت: كتبت: وأنا. فقال مجاشع: كم تحلب ناقتكم، وأنا: ما هذا لهذا بطبق! فقالت: أصدقك، إنّه كتب: كم تغلّ أرضكم؟ فقال مجاشع: كم تغلّ أرضكم، وأنا، ما بين كلامه وجوابك قرابة! ثمّ كبّ على الكتابة جفنة، ودعا بغلام من الكتّاب فقرأ عليه فالتفت، فقال: يا ابن عمّ، ما سيّرك عمر من خير. قم، فإنّ وراءك أوسع لك. فنهض مستحييا، وعدل إلى منزل بعض السلميّين فوقع لجنبه فضني من حبّ شميلة ودنف حتّى صار رحمة، وانتشر خبره، فضرب نساء البصرة به المثل، فقلن: أدنف من المتمنّي. ثمّ إنّ مجاشعا وقف على خبر علّة نصر، فدخل عليه عائدا، فلحقته رقّة لما رأى به من الدنف، فرجع إلى بيته وقال لشميلة: عزمت عليك لما أخذت خبزة فلكتها بسمن ثم بادرت بها إلى نصر. فبدرت بها إليه، فلم يكن به نهوض، فضمّته إلى صدرها وجعلت تلعقه بيدها. فعادت قواه وبرئ كأن لم تكن علّة (١). فقال بعض عوّاده: قاتل الله الأعشى! لكأنّه شهد منهما النجوى حيث يقول [السريع]: لو أسندت ميتا إلى نحرها ... قام ولم ينقل إلى قابر فلمّا فارقته عاوده النكس، ولم يزل يتردّد في علّته حتى مات منها. ومرّ فتى من أهل الكوفة بالحجّاج وهو يعرض الناس، فأعجبه فقال: ممّن أنت يا فتى؟ قال: من قوم لم يكن فيهم جبان. قال الحجّاج: أنت إذن من يام. قال: أنا منهم- ويام هذا هو يام بن أضبى بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن عوف بن همدان. وكانت يام تدعى في الجاهليّة قتلة جبانها. وكان فيهم جبان في الجاهليّة يقال له قنيب: فحلفوا ألّا يولد له ولد فيهم أبدا. وحلفوا على قتله. فقال لهم رجل منهم: ويحكم! اخصوه ولا تقتلوه! فإنّه لا يولد له إذا كان خصيّا، ولا تحنثون في أيمانكم. فشاع ذلك في همدان، فكرهت أن تذهب يامبهذا الذكر، فقالوا: خذوا من كلّ قبيلة سهما فارموه بجميع السهام، وإلّا حلنا بينكم وبينه. فأجابوهم إلى ذلك، فبعث إليهم من كلّ قبيلة بسهم، ثمّ صيّروه هدفا وجعلوا يرمونه، وهم يقولون: لله سهم ما نبا من عينب ... حتى توارى نصله في منشب ويروى أنّ الحجّاج قدّم أسرى ليضرب أعناقهم، وفيهم عامر بن حطّان أخو عمران بن حطّان في جماعة من الخوارج، فأمر بقتلهم، وكان حنقاعلى عامر لبسالته. فلمّا انتهى القتل إليه قال للسيّاف: اقتل ابن الفاعلة! - مقذعا له. فقال له عامر: يا حجّاج، بئس ما أدّبك به أهلك! أبعد الموت غاية أستبقيك لها؟ ما يؤمّنك لو رددت عليك أضعاف ما قلت؟ فاستحيى الحجّاج وقال: أفيك موضع للصنية؟ قال: أجل. فأمر له بقرس مسرّج وسيف محلّى، وخلّى سبيله. فقال له الخوارج: لتعودنّ إلى محاربة عدوّ الله، فإنّ الله أطلقك بخير. قال: هيهات! استرقّ عنقا معتقها، وارتهن يدا مطلقها! - ثمّ قال [الكامل]: أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته؟ إنّي إذن لأخو الدناءة والذي ... علّت على عرفانه جهلاته ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصفّ واحتجّت له فعلاته [٣٣٩ ب] أأقول جرت عليّ إني فيكم ... لأحقّ من جارت عليه ولاته ٥ وحلفت ما ظنّي بحقّ إنّني ... فيكم لمدره مطرق وعلاته (١) تالله لا كدت الأمير بآلة ... وجوارحي وسلاحها الآية وتحدّث الأكفاء أنّ صنائعا ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته أبت الحزامة أن أبيت مصعّرا ... خدّي وخيل الحقّ منتعلاته وقال الهيثم بن عديّ: دخل عبد الرحمن بن أبي بكرة على الحجّاج فقال: ما أذهب أسنانك؟ قال: أكل الحارّ، وشرب القارّ. قال: فما طعامك؟ قال: أكتفي (٢) بلحوم صغار المعز. قال: فما شرابك؟ قال: ما حلّ قليله وحرم كثيره. قال: فما الذي بقّى طرّتك؟ قال: لم تأت عليّ ليلة إلّا تمرّخت فيها بالبنفسج من قرني إلى قدمي. (قال): فما زال الحجّاج يتمرّخ حتّى مات.