page 1032, entry [1539]Open original source
[من أخبار الحجّاج: مع الخوارج] وسمر الحجّاج ليلة فقال لبعض حرسه: ائتني بمحدّث من المسجد. فأتاه برجل فلم يرضه. وخرج ومعه صرر من الدراهم إلى المسجد، فناول من فيه حتى انتهى إلى شيخ فأعطاه صرّة فنبذها، فأعطاه الحجّاج مرارا وهو يردّها عليه، فدنا منه وقال: أنا الحجّاج.فأخذها، وعاد الحجّاج إلى القصر، وأمر به فأحضر، فسلّم فقال له: ممّن الرجل؟ قال: من بني شيبان. قال: فما اسمك؟ قال: سمرة بن الجعد (١). فقال: يا سمرة، هل قرأت القرآن؟ قال: قد جمعته في صدري، فإن عملت به فقد حفظته. وإن لم أعمل به فقد ضيّعته. قال: هل تفرض؟ قال: إنّي لأفرض الصلب وأعرف (٢) الاختلاف في الجدّ. قال: أتبصر الفقه؟ قال: إنّي لأبصر ما أقوّم به أهلي وأرشد به ذا العمى من قومي. قال: هل تعرف النجوم؟ قال: إنّي لأعرف منازل القمر، وما أهتدي به في السفر. قال: فهل تروي الشعر؟ قال: إنّي لأروي المثل، والشاهد. قال: أمّا المثل فقد عرفناه، فما الشاهد؟ قال: اليوم يكون للعرب من أيّامها عليه (٣) شاهد من الشعر، فأنا أروي ذلك الشعر. فاتّخذه سميرا، فلم يكن يطلب شيئا إلّا وجده عنده أو وجد عنده منه علما. وكان سمرة من قعد [ة] الأزارقة والخوارج. فكتب إليه قطريّ بن الفجاءة وهو بإزاء الحجّاج بجيرفت يعيّره بمقامه عند الحجّاج وركونه إلى الدنيا، وكتب إليه هذه الأبيات [الطويل]: [ل] شتّان ما بين ابن جعد وبيننا ... إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر وراح يجرّ الخزّ نحو أميره ... أمير بتقوى ربّه غير آمر نجالد فرسان المهلّب، كلّنا ... صبور على وقع السيوف البواتر أبا الجعد، أين الحلم والعلم والنّهى ... وميراث آباء كرام العناصر؟ ٥ ألم تر أنّ الموت لا شكّ نازل ... ولا بدّ من بعث الألى في المقابر؟ حفاة عراة والثواب لديهم ... فمن بين ذي ربح وآخر خاسر فإنّ الذي قد نلت يفنى، وإنّما ... مقامك في الدنيا كوقعة طائر فراجع أبا جعد ولا تك مغضيا ... على ظلمة أعشت عيون النواظر وتب توبة تهدي إليك شهادة ... فإنّك ذو دين ولست بكافر ١٠ وسر نحونا تلق الجهاد غنيمة ... تفدك ابتياعا رابحا غير بائر هي الغاية القصوى الرغيب نوالها ... إذا نال في الدنيا الغنى كلّ تاجر (٤) فلحق سمرة بقطريّ، وطلبه الحجّاج فلم يقدر عليه. وبينا هو ذات يوم إذ قدم عليه كتاب قطريّ، وفي أسفله [الطويل] (٥):من مبلغ الحجّاج أنّ سميره ... قلى كلّ دين غير دين الخوارج؟ رأى الناس، إلّا من رأى مثل رأيهم ... ملاعين ترّاكين قصد المناهج فأيّ امرئ، أيّ أمري يا ابن يوسف ... ظفرت به لو نلت علم الولائج! (١) إذن لرأيت الحقّ منه مخالفا ... لرأيك إذ كنت امرءا غير فالج (٢) ٥ فقد كدت لولا الله أمزج بالذي ... به الحقّ من ديني بمذقة مازج فأقبلت نحو الله بالله واثقا ... وما كربتي غير الإله بفارج إلى قطريّ في الشراة معائجا ... ولست إلى غير الشراة بعائج إلى عصبة، أمّا النهار فإنّهم ... هم الأسد أسد الحرب عند التهايج وأمّا إذا ما الليل جنّ فإنّهم ... قيام كأنواح النساء النواشج ١٠ ينادون بالتحكيم لله إنّهم ... رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا ... بحبل شديد الفتل ليس بناهج (٣) فطرح الحجّاج الكتاب إلى عنبسة بن سعيد، وقال: هذا من عند سميرنا الشيبانيّ، وهو من الخوارج ولا نعلم به! ثمّ لمّا قتل المهلّب الخوارج، ومضى قطريّ إلى طبرستان وأتى المهلّب عهده من عبد الملك على خراسان، بعث الحجّاج سفيان بن الأبرد الكلبيّ إلى قطريّ في أهل الشام وأهل العراق، فسار حتّى قدم الريّ، ثمّ رجع. فلامه الحجّاج، وكتب إليه يشتمه وقال: ألا كنت أخذته؟ فقال سفيان: إنّ أبا محمد- يعني الحجّاج- ما يدع المحسن حتّى يسيء. ومضى إلى [٣٢٦ أ] قومس وحصر الخوارج ثلاثين شهرا حتّى أكلوا الجيف، وأخذهم عنوة وبعث برءوسهم إلى الحجّاج. وأجلى المهلّب الأزارقة من كرمان بعد فرار قطريّ، وبعث بشير بن مالك بن الحرشي- وقيل: مرّة بن تليد الأزديّ- إلى الحجّاج بكتابه، وكان بشيرا أديبا، له لسان وبيان.