page 1022, entry [1534]Open original source
[ولايته العراقين] فلمّا كانت سنة خمس وسبعين، مات بشر بن مروان، فكتب إليه عبد الملك أن فد عليّ، فوفد عليه فولّاه العراق. وقيل: إنّ عهد الحجّاج أتاه وهو بالمدينة، وهذا أثبت. وأمره عبد الملك أن يبدأ بالكوفة، فنزلها ولم يأت البصرة خوفا منه على خالد بن عبد الله، فإنّ بشر بن مروان كان قد استخلفه عليها، وكان بين الحجاج وبين خالد عداوة. وكان الحجّاج قد عبث بآل أسيد بمكّة، وعبث خالد بثقيف بالبصرة. وكان الحجّاج يقول لمّا قدم الكوفة: غفر الله لأمير المؤمنين! لو أذن لي فقدمت على خالد لأخذت منه مثل خراج العراق!وجعل عبد الملك للحجّاج (١) العراق إلّا خراسان وسجستان. فسار من المدينة في اثني عشر راكبا على النجائب حتّى دخل الكوفة في شهر رمضان حين انتشر النهار. بعثه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وكان بشر بن مروان بعث المهلّب بن أبي صفرة لقتال الخوارج، فعصى عامّتهم المهلّب بعد موت بشر، وأتوا إلى الكوفة والبصرة، وقيل ذلك للحجّاج فبدأ الحجّاج بالمسجد. قال عبد الملك بن عمير: بينما نحن جلوس نتحدّث في ناحية المسجد بالكوفة، إذ أتى آت فقال: هذا الحجّاج بن يوسف، قدم أميرا على العراق. فاشرأبّت الناس نحوه، ثمّ أفرجوا إفراجة عن صحن المسجد، فإذا نحن به يمشي، عليه عمامة سوداء متلثّما بها متنكّبا قوسا عربيّة يؤمّ المنبر، فما زلت أرمقه بطرفي حتّى قعد على المنبر. وثاب إليه الناس، ولا يحدّر اللثام ولا ينطق حرفا. وأهل الكوفة يومئذ في حال حسنة وهيئة جميلة وعزّ ومنعة. وكان الرجل يدخل المسجد ومعه خمسة عشر وعشرون رجلا: بنيه ومواليه وأتباعه عليهم القوهيّة والخزون (٢). وفي المسجد رجل يقال له: عمير بن ضابي، لمّا رأى الحجّاج على المنبر قال لصاحب له: أتريد أن أخصيه لك؟ قال: اسكت! حتى تسمع ما يقولون. فقال الناس بعضهم لبعض: لعن الله بني أميّة حيث يستعملون على العراق مثل هذا! وضيّع الله العراق حيث يكون مثل هذا عليها أميرا. فو الله لو كان هذا كلّه كلاما ما كان شيئا! والحجّاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلمّا رأى الحجّاج أنّ المسجد قد غصّ بأهله، قال: اجتمعتم؟ فلم يقل أحد شيئا، ثمّ قال الثانية: إنّي لا أعرف قدر اجتماعكم. فقال رجل منهم: اجتمعنا، أصلح الله [٣٢٢ أ] الأمير! وكان قد أطال السكوت. وتناول محمد بن عمير بن عطارد الحصى ليحصبه، وقال: قاتله الله! ما أعياه وأدمّه! والله إنّي لأحسب خبره كرؤياه! فلمّا تكلّم الحجّاج جعل الحصى ينتثر من يده، وهو لا يعلم به من الخوف. فلمّا رأى الحجّاج عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض فقال [الوافر] (٣): أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إنّي لأحتمل الشرّ بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله. وإنّي لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنّي والله صاحبها. والله كأنّي انظر إلى الدماء ترقرق بين اللحى والعمائم! ثم قال: قد شمّرت عن ساقها فشمّري ... ليس أوان عشّك فادرجي (٤) ثمّ قال: هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... [نام الحداة وابن هند لم ينم] (٥)قد لفّها الليل بسوّاق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظهر وضم (١) ثمّ قال: قد لفّها الليل بعصلبيّ ... [أروع خرّاج من الدّوي] (٢) مهاجر ليس بأعرابيّ ثمّ قال: قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب لكم فجدّوا (٣) والقوس فيها وتر عرد ... مثل جران العود أو أشدّ (٤) لا بدّ ممّا ليس منه بدّ إنّي والله يا أهل العراق و [معدن] الشقاق والنفاق، ومساويء الأخلاق، ما أغمز تغماز التّين ولا يقعقع لي بالشّنان (٥)، ولقد فررت عن ذكاء (٦)، وفتّشت على تجربة، وجريت من الغاية (٧). إنّ أمير المؤمنين كبّ كنانته، ثم عجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا وأصلبها عمودا، وأشدّها مكسرا، فوجّهني إليكم ورماكم بي لأنّكم طالما أوضعتم في أودية الفتنة، واضطجعتم في منام الضلال، وسننتم سنن الغيّ. وايم الله! لأنجرنّكم نجر العود، ولأقرعنّكم قرع المروة، ولأعصبنّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل! إنّي والله ما أعد إلّا وفيت، ولا أهمّ إلّا أمضيت، ولا أخلق إلّا فريت (٨). فإيّاي وهذه الزرافات والجماعات! وقال وقيل وما تقول، وفيم أنتم وذاك! أما والله لتستقيمنّ على طريق الحقّ أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده. يا أهل العراق، إنّما أنتم لكأهل قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل: ١١٢]، فأتاها وعيد القرى من ربّها، فاستقيموا واعتدلوا ولا تميلوا! وبايعوا وشايعوا، واخضعوا واسمعوا وأطيعوا وأذعنوا! واعلموا أنّه ليس منّي الإكثار ولا الإهذار، ولا منكم الفرار ولا النّفار، إنّما هو انتضاء السيف، ولا يغمد في الشتاء ولا الصيف، حتى ينتهى إلى أمر الله وطاعته، ويذلّ أمير المؤمنين صعبكم ويقيم أودكم وصعركم. ثمّ إنّي وجدت الصدق مع البرّ، ووجدت البرّ في الجنّة. ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار. وإنّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم لمجاهدة عدوّكم مع المهلّب بن أبي صفرة. وقد أمرت لكم بذلك وأجّلتكم ثلاثا وأعطيت الله عهدا يأخذني به ويستوفيه منّي. وإنّي أقسم بالله لا آخذ رجلا يتخلّف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيّام إلّا ضربت عنقه! لا يبلغني أنّ أحدا تحلّف يوما واحدا بعد أخذ عطائه إلّا ضربت عنقه وأنهبت ماله! أقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام! فقام الكاتب فقرأ: باسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك [بن مروان] أمير المؤمنينإلى من بالعراق من المؤمنين [٣٢٢ ب] والمسلمين، سلام عليكم. فلم يقل أحد شيئا. فقال الحجّاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام (١)! يا أهل الفرقة، أيسلّم عليكم أمير المؤمنين، ثمّ لا تردّون ﵇؟ هذا أدب ابن نهية (٢). أما والله لأؤدّبنّكم أدبا غير هذا أو لتستيقمنّ على الحقّ! يا غلام، اقرأ! فلمّا بلغ الكاتب إلى «سلام الله عليكم»، قال من في المسجد: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركته. ثمّ نزل الحجّاج عن المنبر ودخل منزله، وقال لوجوه النّاس: ما كانت الولاة قبل تفعل بالعصاة؟ فقالوا: كانت تضرب وتحبس. فقال: ولكن ليس لهم عندي إلّا السيف. إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قتل عدوّ، ولا جبي فيء، ولا عزّ دين.