page 856, entry [1315]Open original source
[تعسّر الحال بمصر في مدّته]: وكثر الإرجاف بحركة التتر إلى بلاد الشام، فبرز الدهليز السلطانيّ إلى الربدانيّة خارج القاهرة، وقد فشت الأمراض الحادّة في الناس وعمّ الوباء، وتوقّفت زيادة النيل وارتفعت الأسعار حتى بلغ القمح خمسين درهما الإردبّ. وترقّب كلّ أحد شدّة القحط، فخرج الناس واستسقوا. وتأخّر وفاء النيل بعد النوروز بتسعة وأربعين يوما فلم يوف إلى تاسع عشر بابه (٣) حتى صارت العامّة تلهج كثيرا بقولها: سلطاننا ركين ... ونائبنا دقين يجينا الماء من أين؟ ... يجيبوا لنا الأعرج يجيء الماء ويدحرج (٤) ثمّ سار عدّة من الأمراء على ألفي فارس إلى حلب، فأخذت دولته في الاضطراب: وذلك أنّه كثر توهّمه من الملك الناصر وقصد كلّ أحد من أتباعه والزامه أن يرقى إلى أعلى من منزلته، وصاروا يتّهمون الأمير سلّار النائب بمباطنة الناصر، وأغروا السلطان به وحسّنوا له القبض عليه، فجبن عنه. ومع ذلك فلم يترك الملك الناصر بل وجّه إليه بالأمير مغلطاي أيتغلي (٥)، ومعه كتاب يتضمّن إرسال ما أخذه من مال مصر وخيولها والمماليك الذي عنده، مع المال الذياستولى عليه من حاصل الكرك. فلاطفه الناصر وبعث إليه مائتي ألف درهم، فلم يقنعه، وبعثه مرّة ثانية وأمره بإغلاظ القول عليه وأخذ الخيل التي عنده والمماليك، فعزّ على الناصر وحرّكه للقيام وحبس مغلطاي فطار الخبر إلى مصر، وبلغ المظفّر، فكثر قلقه وجمع الأمراء ليأخذ رأيهم. فاتّفقوا أن يتوجّه إليه بعض الأمراء ويتهدّده بأخذ الكرك منه متى لم يرجعوا عمّا هو فيه. وهم في المشور إذا بكتاب الأمير آقوش الأفرم نائب الشام قد ورد يخبر بأنّ الملك الناصر قد خرج من الكرك ولا يدرى أين يقصد. فوقع العزم على تجريد العساكر، وأعيد جوابه بأخذ الطرقات عليه. وطار هذا الخبر بديار مصر. فعزم الأمير سيف الدين نوغاي القبجاقيّ أحد الزام الأمير سلّار النائب على الفتك بالمظفّر، ووافقه عدّة من المماليك. فلمّا ركب السلطان إلى جهة بركة الحجّاج للصيد، وعاد من صيده يريد القلعة، همّ نوغاي بما في نفسه، وصار يتقرّب من السلطان قليلا قليلا. ففطن البرجيّة به واستداروا حول السلطان واحترسوا عليه حتى صعد القلعة. فاتّهم البرجيّة سلّار بموافقة نوغاي وأغروه به. فاستدعاه السلطان وحدّثه في مسك نوغاي ومن وافقه، فدافع عنه وخوّف عاقبة مسكه من تغيّرالخواطر، وأشار عليه بالتغاضي وانصرف. فبلغ الخبر نوغاي، فركب بعد المغرب من ليلة الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع [وسبعمائة] ومعه الأمير علاء الدين مغلطاي القازانيّ، والأمير سيف الدين طقطاي الساقي، وستّون مملوكا، وشقّوا القاهرة ومرّوا، يريدون الملك الناصر بالكرك، فارتجّت القاهرة وبلغ السلطان مسيرهم فاستدعى سلّار في الليل، وبعث في طلبهم الأمير علاء الدين سمك أخا الأمير سلّار، وقطز ابن الفارقانيّ (١) في جماعة من أتباع سلّار نحو الخمسمائة فارس. فتباطئوا في السير حتى قدم نوغاي بمن معه غزّة وعرّجوا إلى الكرك بعد ما أخذوا من قطيا الحمل (٢)، وهو مبلغ مائة وعشرين ألف درهم، وأخذوا خيل الوالي والعربان. وعاد سمك من غزّة بالعسكر.