page 836, entry [1285]Open original source
٩٨٦ - بهرام تاج الملوك الأرمنيّ [- ٥٣٥] (١) [٢٦٦ أ] بهرام بن أسيد، الوزير سيف الإسلام، تاج الملوك، الأرمنيّ. كان يزعم أنّه من نسل داود ﵇. وكان من جملة الأرمن [٢٦٦ أ] الواصلين إلى ديار مضر من قلعة الروم، وسكن مع الأرمن في ناحية تلّ باشر (٢) مدّة. فلمّا مات كبير الأرمن، كان بهرام أحقّ بمكانه، فتعصّب عليه جماعة من الأرمن وأقاموا غيره. فغضب وخرج من تلّ باشر وقدم القاهرة. وقتل يازمان القائم بأمر الأرمن في قلعة الروم، وكان بهرام أحقّهم بموضعه، فمنع وقام غيره بتعصّب وقع (٣). فترك البلاد وخرج منها مغاضبا إلى القاهرة، وصار من الجند. وكان ذا عقل متوفّر ورأي صائب وإقدام في الحروب، فزيد في إكرامه لأجل ذلك وترقّى في الخدم [و] لقّب بتاج الدولة. وخرج مع المؤتمن أبي تراب حيدرة أخي الوزير المأمون البطائحيّ مقدّما على طائفة الأرمن حين توجّه لغزو لواتة في سنة سبع عشرة وخمسمائة وشهد حروبه، ثمّ عاد إلى القاهرة. وما زال بها إلى أن كانت فتنة الحسن، ابن الخليفة الحافظ لدين الله، ففرّ منه إلى الغربيّة وجمع مقطعيها (٤) والعربان والأرمن، وسار يريد القاهرة، وقد عاثت حشوده في القرى والضياع ونهبوها، وكثرت الفتن بالقاهرة بين الأجناد والسودان حتى أخرج السودان بعد قتل حسن الطائفة الجيوشيّة والفرجيّة والإسكندرانيّة من القاهرة وقتلوا كثيرا منهم ونهبوا ما قدروا عليه. فلمّا قدم بهرام بحشوده، تعلّق الأجناد به وأدخلوه على الخليفة وألزموه أن يوليه الوزارة، فلم يجد بدّا من إجابتهم، وخاف أن تثور الفتنة مرّة أخرى. فخلع عليه يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة- وقيل: لإحدى عشرة خلت منه- وهو باق على دينه النصرانيّة ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة فاشتدّ ذلك على الخليفة. واقتضى الحال توليته، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنّه نصرانيّ لا يرضاه المسلمون، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر في الأعياد ليزرّر عليه المزرّة الحاجزة بينه وبين الناس، والقضاة نوّاب الوزراء من زمن أمير الجيوش ويذكرون النيابة عنهم في الكتب الحكميّة النافذة عنهم إلى الآفاق وكتب الأنكحة.فقال: إذا رضيناه نحن، فمن يخالفنا؟ وهو وزير السيف وأمّا صعود المنبر، فيستنيب عنه قاضي القضاة. وأمّا ذكره في الكتب الحكميّة فلا حاجة إلى ذلك، ويفعل ما كان يفعل قبل أمير الجيوش. فكثر الإنكار من الناس لوزارة بهرام، إلّا أنّه لم يدخل في شيء مشكل، وساس الأمور بعقل جيّد وتدبير حسن، وأنفق في الجند جملة من الأموال فاستقامت أحواله وراسله الملوك وزالت الفتن من البلاد في أيّامه، فلم ينكر عليه شيء سوى أنّه نصرانيّ. وكان يقعد في يوم الجمعة عن الصلاة ويعدل إلى مكان بمفرده إلى أن تنقضي الصلاة [٢٩٦ ب]. وسأل الخليفة أن يسمح له في إحضار أهله فأذن له في ذلك فأحضرهم من تلّ باشر ومن بلاد الأرمن حتى صار منهم بمصر قدر الثلاثين ألف إنسان. فاستطالوا على المسلمين، وكثر جورهم وبنوا عدّة كنائس وأديرة، حتى كان كلّ رئيس منهم يبني له كنيسة. فخاف أهل مصر منهم أن يغيّروا الملّة الإسلاميّة، وكثرت الشكايات فيه وفي أخيه الباساك وكان قد ولّاه قوص، فعظم ذلك على الأمراء. وتفاقم أمر النصارى، ووصل إليه ابن أخيه المعروف بالسبع الأحمر، فأطلق الأسرى من الفرنج. وشنعت القالة وكاتب أهل الدولة الأمير رضوان بن الولخشيّ والي الغربيّة، فحشد لقتال بهرام، وخرج من سخا في ثلاثين ألفا حتى نزل دجوة، وبهرام لا ينزعج. فلمّا قرب من القاهرة جمع بهرام الأرمن وقال لهم: قد علمتم بأنّا غرباء ولم نزل نخدم هذه الدولة [٢٦٦ ب]، والآن فقد كثر بغضهم لأيّامنا وما كنت بالذي أكون عند قوم وأخدمهم من حال الصّبا، فلمّا بلغت الكبر أقاتلهم؟ والله لا ضربت في وجوههم بسيف أبدا! سيروا بنا! ثمّ اجتمع بالخليفة وفاوضه في أمره. فقال له: يغلبني عليك الإسلام. فأيس حينئذ وسار بالأرمن. وقيل: بل ركب في عساكر مصر، وخرج ومعه الأرمن، يريد محاربة رضوان. فلمّا التقى الجمعان خامر عليه الأمراء ولحقوا برضوان، فانهزم بالأرمن. وأخذ ما خفّ من المال وخرج من باب البرقيّة في حادي عشر جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، وسار يريد قوص، وبها أخوه الباساك. وأوسق مراكب كثيرة وسيّرها في النيل بما يحتاج إليه. فعند ما خرج من القاهرة تكاثرت الغوغاء على دار الوزارة ونهبوها وهتكوا حرمتها، وخرجوا إلى دور الأرمن بالحسينيّة خارج باب الفتوح فنهبوها كلّها، ونهبوا كنيسة الزهري، ونبشوا قبر البطريك أخي بهرام ومثّلوا برمّته. وطار خبر هزيمة بهرام في سائر إقليم مصر حتى وصل الخبر إلى قوص قبل وصوله إليها. فثار المسلمون بالباساك وقتلوه. فقدم بهرام بعد قتله بيومين إلى قوص، ومعه من الأرمن نحو الألفين، فرأى أخاه الباساك على مزبلة وقد ربط معه كلب (١). فحنق ووضع السيف في أهل قوص فقتل منهم خلقا كثيرا، ونهب البلد وخرج إلى أسوان، ونزل بالأديرة البيض- وهي أماكن حصينة عدّتها ثلاث [ة] ديارات في غربيّ مدينة إخميم. وتقدّم إليه (٢) بأن يسرّح من معه من الأرمن إلى بلادهم، ومن رضي منهم أن يقيم بمصر فلّاحا فليفعل. فأقام بأهله وولده، وخرج جماعة ممّنمعه إلى أرض الشام، وبقيت منهم بقيّة كثيرة رغبوا أن يكونوا فلّاحين. فأفردت لهم جهات، منها سملّوط وأقلوسنا وإبوان والبرجين في صعيد مصر، وضيعة أخرى بالمحلّة. فسار إليه الأوحد ناصر الدين إبراهيم، أخو الوزير الأفضل رضوان بالعساكر شرقا وغربا، وقد تبعه الأسطول في النيل، ومعه أمان لبهرام ليعود مكرّما وطائفته على إقطاعاتهم. فلم يزل حتى نزل على الأديرة البيض. فتقرّر الحال مع بهرام على إقامته بها من غير أن تكون حرب. فلم يزل هناك إلى أن استدعاه الخليفة الحافظ في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين، وأنزله معه في القصر وأكرمه، إلى أن هلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. فحزن عليه الحافظ حزنا كثيرا لأنّه كان يشاوره في تدبير الدولة والأمور فيعجبه رأيه ويفتنبحزمه وعقله. وصار يوم موته على القصر غمّة وأمر بغلق الدواوين، واستحضر بطرك الملكيّة ليجهّزه، فقام بأمره. وأخرج وقت الظهر في تابوت عليه الديباج، وحوله النصارى يبخّرون باللبّان والسندروس والعود. وخرج الناس كلّهم مشاة، ولم يتخلّف عن جنازته أحد من الأعيان. وخرج الخليفة راكبا بغلته خلف التابوت بعمامة خضراء وثوب أخضر من غير طيلسان وسار والأقسّاء يعلنون بقراءة الإنجيل، والخليفة على حاله، إلى دير الخندق خارج القاهرة- وقيل: بل في الكنيسة المستجدّة ببستان الزهريّ- فنزل الخليفة عن بغلته ونزل على شفير القبر وبكى بكاء كثيرا، حتى دفن. ثم عاد (١). وكان بهرام عاقلا حسن السياسة جيّد التدبير مقداما في الحرب.