page 601, entry [987]Open original source
[مناقبه]: وقال عمرو بن عثمان المكّي: ما رأيت أحدا من المتعبّدين في كثرة من لقيت منهم أشدّ اجتهادا من المزنيّ، ولا أدوم على [١٨٣ أ] العبادة منه، ولا رأيت أحدا أشدّ تعظيما للعمل وأهله منه. وكان من أشدّ الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه [م] في ذلك على الناس [١٧٠ ب]. وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعيّ. وقال أبو عاصم العبّاديّ: لم يتوضّأ المزنيّ من حباب ابن طولون، ولم يشرب من كيزانه، لأنّه جعل فيه سرجين، والنّار لا تطهّره. وتوفّي [المزنيّ] يوم الأربعاء لأربع وعشرين ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة أربع وستّين ومائتين بمصر. ودفن بالقرافة، وقبره يزار ويتبرّك بالدعاء عنده. وروي عن المزنيّ أنّه قال: كنت يوما عند الشافعيّ أسأله عن مسائل بلسان أهل الكلام، فجعل يسمع منّي وينظر إليّ، ثمّ يجيبني عنها بأحضر جواب (٤). فلمّا اكتفيت قال: يا بنيّ، أدلّك على ما هو خير لك من هذا؟قلت: نعم. قال: يا بنيّ، هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت لم تأثم؟ قلت: وما هو؟ قال: الفقه! - فلزمته فتعلّمت منه الفقه ودرست عليه. وكنت يوما عنده إذ دخل عليه حفص الفرد فسأله سؤالات كثيرة. فبينما الكلام يجري بينهما، وقد دقّ حتّى لا أفهمه، إذ التفت إليّ الشافعيّ فقال: يا مزنيّ، تدري ما قال حفص؟ قلت: لا. قال: خير لك أن لا تدري! وقال إمام الحرمين: إذا انفرد المزنيّ برأي فهو صاحب مذهب. وإذا خرّج للشافعيّ قولا، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو ملتحق بالمذهب لا محالة. وعنه أيضا أنّه قال: أرى كلّ اختيار للمزنيّ تخريجا، فإنّه لا يخالف أصول الشافعيّ، لا كأبي يوسف ومحمّد، فإنّهما يخالفان أصول صاحبهما (١).