page 259, entry [546]Open original source
[حزمه وجدّه]: وكان يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل افتقاده على نفسه، وتسامحه على حاشيته وقاصديه، فإنّه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم، ولا تفسد معه سرائرهم. وكان قويّ الفكر كثير السهوة من استغراقه في أموره، حتى إنّه دعا مرّة بالطشت ليتوضّأ بالعتمة، ومدّ يده فأكبّ الغلام بالإبريق ليصبّ عليه. وشخص أحمد بن طولون إلى الشمعة فلم يزل ممدود اليد، ناظرا إلى الشمعة، غائبا في فكر، والغلام [ينظر]، إلى أن أذّن المؤذّن لصلاة الصبح، فكأنّه انتبه، وقال: يا هذا، فاتتنا والله العتمة! - وسقط الغلام من قامته، وأقام عليلا مدّة. وكان يحبّ فعل الخير. فاتفق أنّه انصرف مرّة من ناحية حلوان في يوم شديد الحرّ. فانفرد عن عسكره وحده، ومرّ على مسجد الأقوام وفيه خيّاط، وقد بلغ منه العطش مبلغا كبيرا. فقال: يا خيّاط، عندك ماء؟ فأخرج له كرّازا (١) وقال له: اشرب ولا تمدّ! فتبسّم أحمد بن طولون وشرب ومدّ فيه حتى شرب أكثره. وناوله الكرّاز [٩٠ ب] وقال: يا فتى، سقيتنا وقلت: لا تمدّ فيه! فقال: نعم، أعزّك الله، موضعنا منقطع، وأنا أخيط جمعتي حتّى أجمع ثمن راوية. فقال: والماء عندكم معوز؟ قال: نعم. فمضى أحمد حتّى [إذا] جلس في داره أحضر الخيّاط فقال له: صر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء. وهذه ألف دينار، خذها وابتدئ في الإنفاق. وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير، وقال له: بشّرني ساعة يجري الماء فيها. فلمّا كملت السقاية وجرى الماء، أتاه الخيّاط بشيرا. فخلع عليه وحمله واشترى له دارا ليسكنها وأجرى عليه الرزق السنيّ. وكان في جملة أحمد بن طولون رجل فأعطاه برذونين. ثمّ أعطاه مرّة أخرى برذونين. فلزمه بسبب ذلك مؤونة، وكان متحمّلا. فاتّفق أنّ أحمد بن طولون سخط على شخص وقال لجماعة مجلسه: أريد [أن] أعاقب فلان [ا]، فإيش ترون أن أعاقبه؟ فقال صاحب البراذين: أيّد الله الأمير، ادفعإليه برذونين، ثم اتركه مدّة وادفع إليه برذونين! فضحك أحمد وأطلق له مؤونة البراذين. وكان يركب بنفسه في كلّ جمعة ويتفقّد خزائن المارستان وما فيها والأطبّاء وينظر في المرضى وسائر الأعلّاء والمحبوسين من المجانين.