page 252, entry [538]Open original source
[بسط نفوذه على مصر]: وكان يومئذ على خراج مصر أحمد بن محمد بن المدبّر. فأهدى إلى ابن طولون هدايا قيمتها عشرة آلاف دينار. فردّها عليه فتخوّفه ابن المدبّر وقال: هذه همّة عظيمة! من كانت هذه همّته لا يؤمن على طرف من الأطراف- وتحدّث مع شقير الخادم مولى قبيحة أمّ المعتزّ، صاحب البريد بمصر، في مكاتبة الحضرة بإزالة ابن طولون. فورد عليه كتاب ابن طولون وفيه: قد كنت أعزّك الله، أهديت لنا هدية وقع الغناء عنها، ولم يجز أن نغتنم مالك، كثّره الله! رددناها توفيرا عليك. ونحبّ أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك، فأنا إليهم أحوج منك. وكان لابن المدبّر مائة غلام من الغور (٢) لهم خلق حسن وبأس شديد يقفون بين يديه بالأقبية والمناطق، وفي أيديهم مقارع غلاظ مقمّعة (٣) في أطرافها بالفضّة، يكونون عن جانبي مجلسه إذا جلس، وركبانا قدّامه إذا ركب. فلمّا ورد الكتاب على [ابن] المدبّر بطلبهم قال: هذه أخرى أعظم ممّا تقدّم قد ظهرت من هذا الرجل إذ كان يردّ الأعراض والأموال، ويستهديالرجال [٨٧ ب] ويثابر عليهم. ولم يجد بدّا من إرسالهم، فتحوّلت هيبة ابنالمدبّر إلى ابن طولون. فكتب فيه ابن المدبّر إلى الحضرة. وبلغ ذلك ابن طولون فأسرّها في نفسه. وأقرّ ابن طولون على الشرط يولغا (١) ثمّ صرفه لاثنتي عشرة بقيت من شوّال سنة أربع وخمسين، وجعل مكانه توران (١) التركيّ، فاستخلف محمد بن استنباذ (١) وكان توران ربّما صلّى بالناس في المسجد الجامع. ثمّ خرج محمد بن أحمد (٢) بن عبد الله بن طباطبا، المعروف ببغا الأصغر، فيما بين الإسكندريّة وبرقة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين، وسار في جموعه إلى الصعيد. فقتل في محاربة بهم بن الحسين. ثمّ صرف توران وولّى على الشرط موسى بن طولون (٣). فلمّا خلع المعتزّ في شعبان سنة خمس وخمسين وبويع المهتدي بالله قتل بايكباك، وردّ جميع ما كان بيده إلى يارجوخ التركي حمي أحمد بن طولون. فكتب إلى أحمد بن طولون أن «تسلّم من نفسك لنفسك»، وزاده الأعمال الخارجة عن قصبة مصر بأسرها، وكتب إلى إسحاق بن دينار، وهو يتقلّد الإسكندريّة، أن يسلّمها إليه. فعظمت منزلته. ثمّ كتب إليه بالخروج إلى عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني والي فلسطين والأردنّ لمّا تغلّب على دمشق. ففرض أحمد بن طولون فروضا واتّخذ السودان فأكثر، وخرج إليه لستّ خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وخمسين ومائتين، ورجع من الطريق بكتاب ورد عليه من العراق، فدخل الفسطاط لأيّام خلت من شعبان، وبعث إلى عيسى بن الشيخ بقائد يقال له ماجور التركيّ فحاربه وهزمه وقتل ابنه منصورا وتسلّم أعمال الشام.