page 160, entry [365]Open original source
[خطبته العينيّة]: وكان يكتب هذه الخطبة في إجازة الفقراء، وهي: الحمد لله الذي اخترع الأشياء بلطيف قدرته فأحسن فيما اخترع، وألّف الأجساد الكثيفة واللطيفة من عدد آحاد الجواهر وجميع كلّ ذلك يشهد له بالوحدانية، ويستدلّ على وجود الصانع بما صنع. فالعارفون واقفون تحت ظلال جلال أبنية أقبية الورع، ليس لهم مجال في ميدان الكبرياء غير أنّ حماه رحب متّسع، فهم إن همّوا بالذهاب عن الباب، عاقتهم قيود المحبّة فعزّ عليهم الرجوع وامتنع، فمنهم كاتم محبّته قد كفّ شكوى لسانه وقطع، ومنهم قائل: إذا ألهم عذولي دار الملام ودع! أليس قلبي مأوى محبّته فكيف يخفى ما فيه وهو قطع؟ حرموا النوم والسقيم لا يرجو هجوعا إذا الخليّ هجع. فكم لهم عيون تبكي، والبكاء إذا خلا من النفاق نفع، تشفع فيهم دموعهم، وإذا شفع دمع المتيّم فيه شفع. فبينما هم حيارى من الخوف والجزع، سكارى من شراب اليأس والطمع، إذ برز عليهم قمر السعادة، من فلك الإرادة، فتجلّى عن قلوبهم ولمع، ثمّ وقفوا على بساط الانبساط، فافتضّ عليهم من ملابس [٥٣ ب] أشرف خلع لكلّ خلعة منها طرازان من الأماني، ما ركّبا على أحد إلّا ارتفع، ورقيم كتابة القلم الأيمن: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: ١٠١]، ورقيم كتابة القلم الأيسر: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ [الأنبياء: ١٠٣]. فسبحان من اختصّهم برحمته، وهو الذي يقبل توبة العبد الجاني إذا تاب إليه ورجع. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له.وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الذي سنّ الدين وشرع، وأظهر الأعياد والجمع، صلّى الله عليه وعلى آله ما بزغ نجم وطلع، وعلى أصحابه ما ودق سحاب وهمع! . وكان يقول للفقراء: لا تعتدّوا بمن يطير في الهواء، ولا بمن يمشي في الماء، ولا بمن يكاشف، فالراهب يكاشف بالجوع، والخشبة تعوم على وجه الماء ولا روح فيها، ويطير العصفور وهو بفلس. لا تقتدوا إلّا بمن يقول: قال الله، قال رسوله. وقيل له: قرأت القرآن على من؟ فقال: على شخص باليمن يقال له ابن المنير. وكان بالإسكندريّة القاضي ناصر الدين ابن المنير، زار الشيخ مرّة فلم يقم له فأنكر ذلك في نفسه فكاشفه به، وجرت له معه أمور آلت إلى اعتقاده له. وله من هذا وأمثاله شيء كثير يتحاكاه أصحابه.