page 95, entry [183]Open original source
[ملازمته للمبرّد]: وكان سبب انقطاعه إلى أبي العبّاس المبرّد أنّ المتوكّل على الله لمّا قتل بسرّمن رأى، قدم المبرّد إلى بغداد وشهد الجمعة. فلمّا قضيت الصلاة رفع صوته وطفق يفسّر، فصارت حوله حلقة عظيمة. فتشوّف ثعلب إلى الحلقة وأمر الزجّاج وابن الحائك (٢) بالنهوض، وقال لهما: فضّا حلقة هذا الرجل! ونهض معهما من حضر من أصحابه. فلمّا صاروا بين يديه قال له إبراهيم الزجّاج: أتأذن، أعزّك الله، في المناقشة؟ فقال المبرّد: سل عمّا أحببت. فسأله عن مسألة، فأجابه عنها بجواب أقنعه. فنظر الزجّاج في وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد أبي العبّاس للجواب. فلمّا انقضى ذلك، قال له أبو العبّاس: أقنعت بالجواب؟ قال: نعم. قال: فإن قال لك قائل في جوابنا هذا كذا، ما أنت راجع إليه؟ وجعل يوهن جواب المسألة ويسيئه، ويعتلّ فيه. فبقي الزجّاج شاردا لا يحير جوابا. ثمّ قال: إن رأى الشيخ، أعزّه الله، أن يزيدني ذلك. فقال المبرّد: فإنّ القول على نحو كذا- فصحّح الجواب الأوّل وأوهن ما كان أفسده به. فبقي الزجّاج مبهوتا. ثم قال في نفسه: قد يجوز أن يتقدّم له حفظ هذه المسألة وإتقان القول فيها، ثمّ يتّفق أن أسأله عنها.فأورد عليه مسألة ثانية، ففعل المبرّد فيها بنحو فعله في المسألة الأولى حتى والى بين أربع عشرة مسألة، يجيب عن كلّ واحدة منها بما يقنع، ثمّ يفسد الجواب، ثمّ يعود إلى تصحيح القول الأوّل. فلمّا رأى ذلك الزجّاج قال لأصحابه: عودوا إلى الشيخ، فلست مفارقا هذا الرجل، ولا بدّ لي من ملازمته والأخذ عنه. فعاتبه أصحابه وقالوا: أتأخذ عن مجهول وتدع من قد شهر علمه؟ فقال: لست أقول بالذكر والخمول، ولكنّي أقول بالعلم والنظر. فلزم المبرّد. وسأله عن حاله فأعلمه برغبته في النظر وأنّه قد حبس نفسه على ذلك، إلّا ما يسغله من صناعة الزجاج في كلّ خمسة أيّام من الشهر، فيتقوّت بذلك الشهر كلّه. ثمّ أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما. وأمره المبرّد باطّراح كتب الكوفيين. ولم يزل لازما له وآخذا عنه حتى برع من بين أصحابه، فكان المبرّد لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على الزجّاج ويصحّح به كتابه، فكان ذلك أوّل رئاسة الزجّاج. وروى محمد بن درستويه عن الزجّاج أنّه قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرّد، وكان لا يعلّم إلّا بأجرة، فقال لي: أيّ شيء صناعتك؟ قلت: أخرط الزجاج، وكسبي كلّ يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف. وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كلّ يوم درهما وألتزم بذلك أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. فكان ينصحني في التعليم حتى استقللت، وأنا أعطيه الدرهم كلّ يوم. فجاءه كتاب من بعض بني مازن (١) من الصراة يلتمسون نحويّا لأولادهم. فقلت له: «أسمني لهم! » فأسماني. فخرجت وكنت أعلّمهم وأنفذ إليه كلّ شهر ثلاثين درهما وأزيده ما أقدر عليه، ومضت على ذلك مدّة. فطلب منه عبيد الله بن سليمان [بن وهب] مؤدّبا لابنه القاسم بن عبيد الله (٢)، فقال: لا أعرف إلّا رجلا زجّاجا بالصراة مع بني مازن.