page 81, entry [135]Open original source
[محاصرة المغاربة لدمشق]: فركب العسكر وأخذوا الطرق وأتوا على كثير ممّن ظفروا به ليقتلوهم ووقع النفير في البلد. فخرج الناس واشتدّ القتال مدّة صفر وشهر ربيع الأوّل إلى أن بقي من شهر ربيع الآخر ليال فوقع الصلح، وولّى أبو محمود ابن أخيه جيش بن الصمصامة (٢) البلاد، ونزل في قصر الثقفيّين وانصلح الحال أيّاما إلى أن عبر بعض المغاربة من الفراديس فعاثوا هناك فثار الناس بهم وقتلوا من لحقوا منهم وعادوا [٢٧ أ] إلى قصر الثقفيّين ففرّ جيش بمن معه فنهبوا ما كان معهم، وصار جيش إلى أبي محمود، وأركب معه العسكر وزحف على المدينة بالنفّاطين فأحرق مواضع حتىلم يبق لها أثر. وقصد أهل الشرّ، وكانوا في موضع بالمدينة يعرف بسقيفة جناح بالقرب من باب كيسان، فقاتل هناك إلى باب شرقي (٣) قتالا شديدا من أوّل جمادى الأولى في كلّ يوم من بكرة النهار إلى آخره ويبيت العسكر حول المدينة يطلبون الغفلة فيقع النفير من البلد إلى تلك الجهة حتّى تحمى، فإذا أصبحوا عاودوا القتال. فتعب أهل المدينة بحصار العسكر من باب إلى باب، والقصد إنّما هو باب كيسان، فتارة يكون للعسكر وتارة يكون لأهل البلد، ولا يكلّ أحد من الفريقين. وقتل خلق كثير ومات في البلد من دوابّ أهل الغوطة التي دخلوا بها شيء كثير. وصار العسكر يتخطّف من يظفر به من أهل الغوطة ويقتلو [ن] هـ فخربت الغوطة وخلت القرى حتى إنّ العسكر كان يجول بها فلا يجد أحدا. فصاروا يحرقون الأبواب ويأخذون المسامير والحصر، ولا يقعون على أحد إلّا قطعوا رأسه. ومنع الواصل إلى المدينة فغلت بها الأسعار، وبطل البيع والشّراء، وانقطع الماء عن البلد فعدمت القنى (٤) والحمّامات، وصار الإنسان إذا مرّ بمدينة دمشق لا يجد غير أسواق مغلقة ونساء جلوس على الطرقات وقوم يصيحون: النفير!فانهتك في هذه الفتنة أكثر الناس وساءت أحوالهم وماتوا على الطرق من الضرّ والبرد، والقتال لا يزداد إلّا شدّة طول الليل والنهار إلى أن أجهد الناس البلاء وقوي على أهل البلد أشرارهم وأكلوا أموال أهل السلامة. فقالوا: نخرج إلى هذا السلطان وندخله إلى المدينة يفعل فيها ما يشاء ونستريح ممّا نحن فيه! ففتح أهل التوراة توراتهم وأهل الإنجيل إنجيلهم وصاروا إلى المسلمين ففتحوا القرآن، واجتمع الكلّ في الجامع وضجّوا بالدعاء واستغاثوا إلى الله يطلبون الفرج، وداروا المدينة وهي منشورة على رءوسهم. فتجمّع الشيوخ والأشراف وراسلوا أبا محمود في الصلح، وخرج إليه خلق كثير من الرعيّة وداروا حول فرسه وقالوا له: ادخل أيّها القائد، ونحن بين يديك، والبلد لك، افعل فيه ما اخترت! فأحسن في القول وجامل في الردّ. فاستبشر الناس واجتمعوا في الجامع، وأحضروا ابن الماورد وابن شرارة وأكابر أهل الشرّ وزجروهم وألزموهم بالكفّ عن معارضة السلطان في البلد، وأنّهم يلزمون بيوتهم. فأذعنوا لذلك وانصرفوا، إلّا رجل من أهل الشرّ فإنّه شمخ وطلب الفتنة فأخذه أهل البلد وقتلوه فانكفّ أهل الشرّ.