page 518, entry [287]Open original source
ذكر طرف من أخباره [٢] إنه كان مكتوبا عَلَى سرير كسرى: الدين لا يتم إلا بالملك، والملك لا يتم إلا بالرجال، والرجال لا يتمون إلا بالمال، والمال لا يجيء إلا بعمارة الأرض، والعمارة لا تتم إلا بالعدل. وكان عَلَى جانبه مكتوب: عدل السلطان أنفع [للرعية] [٣] من خصيب الزمان. ورفع إِلَى كسرى أن عامل الخراج بالأهواز قد جنى فضل ثمانية آلاف درهم عَلَى ما يجب من الخراج، فوقع برد المال وَقَالَ: إن الملك إذا عمر [٤] بيوت أمواله بما يأخذ من الرعية كَانَ كمن عمر [٥] سطح داره بما يقلعه من قواعد بنائه [٦] . ومات لكسرى ولد فلم يجزع عَلَيْهِ، فقيل له فِي ذلك فَقَالَ: من أعظم الجهل شغل القلب [٧] بما لا مرد له. وكان يقول: الغم مدهشة للعقل، مدهشة للطبع، مقطعة للحيلة، فإذا ورد [٨] عَلَى العاقل ما يحتاج فيه إِلَى الحيلة قمع الحزن، وفرغ العقل للحيلة. وَقَالَ: القليل مع قلة الهم أهنأ من الكثير مع عدم الدعة. وَقَالَ: لما فرغت من [إصلاح] [٩] الأمور الخاصة والعامة إِلَى قبول ما لا خير فيهإلَّا بالأكثر [١] ، لكنني آثرت طاعة اللَّه. ونظرنا فِي سير الروم والهند، فاصطفينا محمودها، ومن أعظم الضرر [٢] عَلَى الملوك الأنفة مع العلم. أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا جعفر بْن أَحْمَد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بن الحسين الضراب قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مروان قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن يونس قَالَ: أَخْبَرَنَا الرقاشي عَنِ الأصمعي قَالَ [٣] : كان لكسرى جامان من ذهب يأكل/ فيهما [٤] ، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطباخ الجام ورجع يطلبه، فَقَالَ له كسرى: لا تعن، قد أخذه من لا يرده، ورآه من لا يفشي عَلَيْهِ. فدخل الرجل إليه بعد ذلك وقد حلي سيفه ومنطقته ذهبا فَقَالَ له كسرى بالفارسية: يا فلان بعني السيف والمنطقة [من ذاك] [٥] قَالَ: نعم. ولم يفطن بذلك أحد غيرهما وسكت. وَرَوَى إِبْرَاهِيم بْن عبد الصمد قَالَ: لما عمل كسرى القاطول أضر ذلك بأهل الأسافل، فانقطع عنهم الماء حَتَّى افتقروا وذهبت أموالهم، فخرج أهل ذلك البلد إِلَى كسرى يتظلمون، فوافوه [٦] وقد خرج، فتعرضوا له وَقَالُوا: جئنا متظلمين. فَقَالَ: ممن؟ قالوا: منك. فثنى رجله ونزل عَنْ دابته وجلس عَلَى الأرض، فأتاه بعض من معه بشَيْء يقعد عَلَيْهِ فأبى، وَقَالَ: لا أجلس إلا عَلَى الأرض إذا أتاني [٧] قوم يتظلمون مني، ثم قَالَ: ما مظلمتكم؟ قالوا: [أحدثت] [٨] القاطول فقطع عنا شربنا، وذهبت معايشنا. قَالَ: فإني آمر بسده. قالوا: لا يحسمك هَذَا، ولكن مر من يعمل لنا مجرى ماء من فوق القاطول، ففعل فعمرت [٩] بلادهم.وكان كسرى يقول: قد خفت أن [١] يحجب عني المظلوم. فعلق عَلَى أقرب البيوت من مجلسه سترا وعلق عَلَيْهِ الأجراس، ونادى مناديه: من ظلم فليحرك هَذَا الستر. ومن الحوادث فِي زمانه: أنه رفع إليه [٢] صاحب الخبر بنياسبور أنه [قد] [٣] ظهر رجل لا يغادر صورته شيء من [٤] صورة الملك، وأن اسمه أنوشروان، وأنه حائك، وأنه ولد فِي ساعة كذا وكذا من يوم كذا وكذا من سنة كذا وكذا [٥] ، فنظر أنوشروان فوجد مولده لا يغادر شيئا من مولده، فوجه رجلين من أهل الدين والأمانة إِلَى نيسابور ليكتبا إليه بخبر الرجل، فلم يلبث أن جاءه كتاب الأمينين [٦] بصدق ما كتب صاحب الخبر، وزادا: أنا سألنا [٧] عَنْ مذهب هذا الإنسان، فأخبرونا/ ثقات جيرانه ومعامليه أنه من الصحة [٨] فِي المعاملة وصدق اللهجة [والستر] [٩] السداد بحيث لا يعرفون من يقاربه في أهل صناعته. فتعجب أنوشروان فكتب إِلَى العامل أن يدفع [١٠] إِلَى هَذَا الرجل عشرة آلاف درهم، وأن يجري له [ذلك] [١١] فِي كل سنة، وأن يخير إن أحب [١٢] أن لا يحوك، ويجري عَلَيْهِ زيادة من المال ما يكون وراء كفايته. فأحضره عامل نيسابور وأقبضه المال، ورفعمجلسه وقال: إن الملك أنوشروان يخيرك أن تدع هَذِهِ الصناعة ويزيدك ما يرضيك، فما الّذي تراه، فجرى الملك خيرا، فَقَالَ: ما أحب أن يكون مكافأتي [١] للملك عَلَى إغنائه إياي نقض شَيْء من سنته، متكلا عَلَى مال الملك [٢] ، ولولا أن برك [٣] اسمي فِي مضاهاة اسم الملك قد ظهر علي لاستبدلت به، تنزيها لجلالة اسم الملك أن يكون مثلي سميه. فكتب بخبره إلى أنوشروان، فأمر الملك أن يجعل أنوشروان الحائك عريف الحاكة ورئيسهم، فأفاد مالا جليلا، ولم يدع صناعته. ومات فِي السنة التي مات فيها أنوشروان الملك [٤] . ومن الحوادث: أن كسرى [أنوشروان] [٥] خرج يتصيد. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا محفوظ بْن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين الخالدي قَالَ: حَدَّثَنَا المعافى بْن زكريّا قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كامل قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمَّادُ القيسي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي السري قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أبيه قَالَ: [٦] . خرج كسرى فِي بعض [٧] أيامه للصيد ومعه أصحابه [٨] ، فعن له صيد فتبعه حَتَّى انقطع عَنْ أصحابه وأظلته [٩] سحابة فأمطرت مطرا [شديدا] [١٠] حال بينه وبين أصحابه، فمضى لا يدري أين يقصد، فرفع له كوخ فقصده، فإذا عجوز [١١] بباب الكوخ جالسةفَقَالَ لها: أنزل. قالت: انزل [١] . فنزل فدخل الكوخ، وأدخل فرسه، فأقبل الليل، فإذا ابنة العجوز قد جاءت معها بقرة قد رعتها/ بالنهار، فأدخلتها الكوخ، وكسرى ينظر إليها [٢] ، فقامت العجوز إِلَى البقرة [ومعها] [٣] إناء فاحتلبت [البقرة لبنا] [٤] صالحا وكسرى ينظر فَقَالَ فِي نفسه: ينبغي أن تجعل عَلَى كل بقرة إتاوة- يعني خراجا- فهذا حلاب كبير [٥] . وأقام مكانه حتى مضى أكثر الليل فقالت العجوز: يا فلانة، قومي إِلَى فلانة- تريد البقرة- فاحتلبيها [٦] . فقامت إِلَى البقرة فوجدتها حائل لا لبن فيها، فنادت: يا أماه، قد والله أضمر لنا الملك شرا. فقالت: وما ذاك؟ قالت: هَذِهِ فلانة حائل تبيس بقطرة. فقالت لها: امكثي فإن عليك ليلا. فقال كسرى في نفسه: من أين علمت ما أضمرت فِي نفسي، أما إني لا أفعل ذلك. قَالَ: فمكثت، ثم نادتها: يا بنية، قومي إِلَى فلانة فاحتلبيها [٧] . فقامت إليها فوجدتها حافل. فقالت: يا أماه، قد والله ذهب ما كان فِي نفس الملك من الشر، هَذِهِ فلانة حافل. فاحتلبتها، وأقبل الصبح وتتبع الرجال أثر كسرى حَتَّى أتوه بركب [٨] ، فأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فأحسن إليهما، وَقَالَ: كيف علمت أن الملك قد أضمر شرا، وأن الشر الذي أضمره قد [٩] رجع فيه؟ قالت [العجوز] [١٠] : إنا بهذا المكان منذ كذا وكذا، ما عمل فينا بعدل إلا أخصب بلدنا، واتسع عيشنا، وما أمر فينا بجور [١١] إلا ضاق عيشنا، وانقطعت موادنا [١٢] والنفع عنا.ومن الحوادث: [١] أن كسرى أمر جنوده أن لا يتعرضوا لزرع [٢] أحد، فمر فارس منهم بمبطخة، فأخذ بطيخة، فتعلق بِهِ صاحب البطيخة وَقَالَ [٣] : بيني وبينك الملك. فبذل له ألف درهم فلم يقبل [٤] ، فبذل له إلى عشرة آلاف درهم فلم يقبل. فحمله إلى الملك فقص عليه القصة، فقال للفارس: ما حملك على ما فعلت [٥] . قَالَ: دنو الأجل. قَالَ: فكم بذلت فيها؟ قَالَ: عشرة آلاف درهم وما أملك غيرها. فَقَالَ كسرى للأكار: ويحك، ما الذي زهدك فِي عشرة آلاف درهم، ورغبك فِي دم هَذَا البائس؟ قَالَ: ما رغبت فِي دمه، ولكني كنت فقيرا ولم/ أر إلا الخير [٦] فِي أيام الملك، فأردت أن أزيد فِي شرف أفعاله حَتَّى يقال إن فِي أيامه بلغت بطيخة عشرة آلاف درهم [٧] . فاستحسن ذلك منه، وَقَالَ للفارس: أعطه ما بذلت. وأعطاه مثل ذلك. ومن الحوادث في زمان أنوشروان: ولادة عَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب، أبي نبينا ﷺ، فإنه ولد فِي السنة الخامسة عشرة من ملكه [٨] ، وولد نبينا ﷺ في سنة أربعين من ملك أنوشروان، وهو عام الفيل [٩] . ومن الحوادث فِي زمن أنوشروان:أن ملك اليمن لم يزل متصلا لا يطمح [١] فيه طامح حَتَّى ظهرت الحبشة عَلَى بلادهم في زمن أنوشروان. قَالَ هشام بْن مُحَمَّد: وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن فِي ذلك الزمان كَانَ يهوديا، فتقدم عَلَيْهِ [٢] يهودي [من أهل نجران] [٣] يقال له: دوس [٤] من أهل نجران [٥] فأخبره أن أهل نَجْران قتلوا له بنتين [٦] ظلما، فاستنصره عليهم- وأهل نجران نصارى- فحمى ذو نواس اليهودية، فغزا أهل نجران فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نجران حَتَّى قدم [٧] عَلَى ملك الحبشة فأعلمه بما نكبوا [٨] به، وأتاه بالإنجيل قد أحرق النار بعضه [٩] ، فَقَالَ له: الرجال عندي كثير وليس عندي سفن، وأنا كاتب إِلَى قيصر فِي البعثة إلي بسفن أحمل فيه الرجال: فكتب إِلَى قيصر فِي ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرق [١٠] ، فبعث له قيصر [١١] بسفن كثيرة، فبعث معه صاحب الحبشة سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا من الحبشة يقال له: أرياط [١٢] ، وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم، فخرج أرياط ومعه جنوده وَفِي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر [١٣] ، وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه ومن قبائل اليمن فتناوشوا، ثم انهزم ذونواس، ودخل أرياط بجموعه [١] ، فلما رأى ذو نواس ما نزل [٢] / به وبقومه وجه فرسه فِي البحر، ثم ضربه فخاض [٣] فيه فِي ضحضاح حَتَّى أفضى به إِلَى غمره فأقحمه، فكان آخر العهد به [٤] . ووطئ أرياط [٥] اليمن بالحبشة [٦] فقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وبعث إِلَى النجاشي بثلث سباياها، فأقام أبرهة ملكا عَلَى صنعاء [٧] ومخاليفها، ولم يبعث إِلَى النجاشي بشَيْء [٨] ، فقيل للنجاشي: إنه قد [٩] خلع طاعتك، وإنه رأى أن قد استغنى بنفسه. فوجه إليه جيشا عَلَيْهِ [١٠] أرياط، فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة: إنه يجمعني وإياك الدين والبلد، والواجب علي وعليك [أن] [١١] تنظر لأهل بلادنا [١٢] وديننا، فإن شئت فبارزني [١٣] ، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا، فرضي أرياط، فأجمع أبرهة عَلَى المكر به، فاتعدا موضعا يلتقيان فيه [فأكمن أبرهة عَبْدا له يقال له: أرنجدة في وهدة قريب من الموضع الّذي يلتقيان فيه] [١٤] ، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عَنْ رأسه وشرمت أنفه، فسمي: أبرهة الأشرم، ونهض الكمين من الحفرة فزرق أرياط فأنفذه وقتله، فَقَالَ لإرنجدة: احتكم.فقال: لا تدخل امرأة باليمن عَلَى زوجها حَتَّى يبدأ بي. قَالَ: لك ذلك. فغبر [١] بذلك زمانا، ثم إن أهل اليمن عدوا عَلَيْهِ فقتلوه. فَقَالَ أبرهة: قد آن لكم أن تكونوا أحرارا [٢] . فبلغ النجاشي قتل أرياط، فآلى ألا ينتهي حَتَّى يريق دم أبرهة ويطأ بلاده، وبلغ أبرهة آليته، فكتب إليه [٣] : أيها الملك، إنما كان أرياط عَبْدك، وأنا عَبْدك، قد هم علي [٤] يريد توهين ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكف عَنْ قتالي، إِلَى أن أوجه إليك رسولا، فإن أمرته [٥] بالكف عني وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلا أن يحاربني [٦] ، فحاربته، فظهرت عَلَيْهِ، وإنما سلطاني لك، وقد بلغني أنك حلفت [٧] ألا تنتهي حَتَّى تريق دمي، وتطأ بلادي، وقد بعثت إليك بقارورة من دمي وجراب من تراب بلادي، وَفِي ذلك خروجك من يمينك [٨] ، فاستتم أيها الملك عندي يدك، فإنما أنا عَبْدك/، وعزي عزك، فرضي عنه النجاشي، وأقره عَلَى عمله [٩] .