page 1909, entry [3251]Open original source
٣٠٣٦ - (ت ١٣٧٢ هـ): الشَّيخ عَبْد اللهِ بن عَبْد العَزِيز بن عَبْد الرَّحمن ابن محمَّد بن إبْرَاهِيْم بن سُلَيْمان بن نَاصِر بن إبْراهِيم، العُنْقَري النَّجْديُّ الحنبليُّ. ذكره تِلْمِيْذُه الشَّيْخ سُلَيْمان بن حَمْدان فيما قرأتُه بخَطِّه فقال: يتَّصل نَسَبُه إلى سَعْد بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم، هكذا نَسَبَ لي نفسَهُ بَعْد طَلَبِي منه ذلك، وهو شَيْخُنا العَالِم العَلَّامة المُحَقِّق، القُدْوَةُ العُمْدَة الفَهَّامَة المُدَقِّق، المعرق في النَّسَب والحَسَب، والمُتَمسِّك من الدَّيْن والعِلْم بأقْوى سَبَبٍ، فريدُ دَهرِهِ، ووَحِيْد عَصْره، وشُهْرَتُه تُغْنِي عن الإطْنَاب في ذِكْرَه، كانت قَرْيةُ ثَرْمَدا من قُرَى الوَشْم منزل آبائه من أزْمِنَةٍ متطاولة لا يُعْهَد أوَّلُها، وكانت إمارَةُ القَرْيةِ فيهم، لا يُنَازعُهُم فيها مُنَازع، وُلِد المُتَرْجَم لسَبْعٍ بَقِيْن من رَجبٍ سنةَ تسعِين ومئتَين وألْفٍ في قَرَية أُثَيْفِيَةَ بلَد أخْوالِهِ، وإحدى قُرى الوَشْم، والمَذْكور في كُتُب المَعَاجم أَنَّه كان يَسْكُنُها قديمًا جَرْير الخَطَفي الشَّاعِر المْشهُور، ثم تُوُفِّي وَالِدُه وَهُو في الحَوْلَيْن قبلَ فِطامه، فنشأ يَتيْمًا في كَفَالة عمَّتِهِ، فربَّتْه أحسنَ تَرْبيَةٍ، ولما بَلَغ من التَّمييز كُفَّ بَصرُه على إثر الجُدَرِيِّ، فأدْخَلَتْه الكُتَّاب، فحَفِظَ القُرآن عن ظَهْر قَلْبِه، ثم حَفِظَ جُمْلةً من المُتُون في فُنُون عديدةٍ منها "ثلاثة الأصول"، وكتاب "التَّوحيد". و"كشف الشُّبهات"، و"آداب المَشْي إلى الصَّلاة"، و"الوَاسِطِيَّة"، و"التَّدمُريَّة"، و"الحَمَويَّة"، و"الأربَعُون النَّووِيَّة"، و"بُلُوغ المرام"، و"مُخْتَصرُ المُقْنِع" و"العُمْدَة للمُوَفق"، و"الرَّحبيَّة"، و"الآجُرُّوميَّة"، و"المُلْحة" و"ألفية ابن مالك"، و"البَيْقُونيَّة"، و"النُّخْبَة لابن حَجَر" و"الوَرَقَات في الأُصُول" للجُوَيْنيِّ، و"الجَزَريَّة" وغيرَها، حَفِظَ هذه المُتُون وهُو في ثَرْمَدا، وقَبْل الانقطاع للطَّلَب بالكُلِّية، وما زال يتنَقَّل في مَراتِبِ الكَمال من حَسَنٍ إلى أحْسن، وَيتَزايَدُ ذَكَاؤه. وإذا رأيتَ من الهلالِ نُمُوَّهُ … أيقنتَ أنْ سيصير بدرًا كاملًا حتَّى هزَّه الشَّوْقُ إلى الرِّحلة في طَلَب العِلْم، والتَّخرُّج بالأكابر من عُلَماء وَقْته، فسَافر إلى الرِّياض عاصمة نجْد سنةَ إحدى عَشْرة وثلاث مئة وألْف، وهي إذ ذاك آهِلَةٌ بالسُّكَّان، وآهلة بالعُلَمَاء الهُدَاة الأعْلَام، فأخَذَ عَنْهم، ولازَمَهُم مُدَّةٌ طَويْلةً، حتَّى بَرَعَ وصار آيةً في الفَهْم والذَّكاء، فمن مَشَايخه الذين أَخَذ عَنْهمالشَّيخ الجَلِيْل عَبْد الله بن عَبْد اللَّطِيْف، وأْخُوه الشَّيْخ إبراهيم بن عَبْد اللَّطِيْف، والشَّيْخ إسْحَاق بن عَبْد الرَّحمن بن حَسَن، وكان الشَّيْخ إسحاق قد أخَذَ عن جُمْلةٍ من عُلَمَاء الهِنْدِ وغيْرِهم مِنْ نَجْدِيِّين ومِصْريِّيْن، وتخصَّص المُتَرْجَم عَلَيْه بِعِلْم الحَدِيْث وأصُوله، وأصُول الفِقْه والتَّجْويد، وتَفَقَّه أيضًا بكُلِّ من الشَّيْخ محمَّد بن إبراهيم بن محمُود، والشَّيْخ حَسَن بن حُسَيْن، وأَكْثَر من القِراءة عَلَيهما، وأخذ عن الشَّيْخ سُلَيْمان بن سَحْمَان عِلْم التَّوْحِيْد والعَقَائِد الدِّينيَّة، وعن الشَّيْخ حَمَد بن فارس النَّحْويِّ في عِلْم العربيَّة، وتفَقَّه أيْضًا بالشَّيْخ سَعْد بن عَتِيْق، واستجازه فأجَازَهُ بجَمِيْع ما تَجُوز له رِوَايَتُه بشَرْطه، ثُمَّ لمَّا حجَّ سنة ثمانٍ وأربَعين وثلاث مئة وألْفٍ اجتمع بشيْخنا الشَّيْخ عَبْد السَّتَّار بن عَبْد الوَهَّاب الصدِّيقيِّ، الحَنفيِّ الدَّهْلَويِّ ثم المَكِّيَّ، فاسْتَجازَهُ، فأجابه إلى ذلك، وكتب له إجازَةً عامَّةً بجميع ما تَجُوزُ له وعَنْه رِوَايَتُه بشَرْطهِ، وأخذ عَنْهُ المُسَلْسَل بالأَوَّليَّة الحَقِيْقيَّة، وجملةً من المُسَلْسَلَاتِ غَيْرَه، وأخذ عن جملةٍ من المشايخ النَّجْديِّيْن، تَرَكْنَا ذِكْرَهُم طلبًا للاخْتِصار، وكان - فيما بَلَغَنِي - يُلَقَّب بالحَافِظ لِمَا رَزَقَهُ الله من سُرْعَةِ الفَهْم وشِدَّةِ الحِفْظ، وقُوَّة الإدْرَاك، وكان مشايخُهُ الَّذين أخذَ عَنْهم يُجِلُّونَهُ ويحتَرِمُونه، هذا مع ما هُوَ عَليْه من السَّكِيْنَة والوقار، والتَّعفُّفِ والتَّوَاضُع، واطِّراح التَّكَلُّف، وعَدَم مُزَاحَمة أصْحَاب المَنَاصِب الدُّنْيَويَّة عَلَيْها، وكان مُوَاظبًا على قِيَام اللَّيْل وتِلاوَة القرآن كُلَّ لَيْلَة، ومُدِيمًا على الأوْراد المشرُوعة، والتَعوُّذَات والأدْعية المأثُورَة، وصِدْق اللجوء إلى الله، والتَّوَكُّلِ على الله، وكان يجلِسُ بَعْد صَلاة الصُّبْح في مُصَلَّاه يدعو ويَذْكُر حتَّى تطْلُع الشَّمْس، وآخرَ سَاعَةٍ بَعْد العَصْر إلى قَريْبِ العِشاء. تخرَّج به جَمَاعةٌ من الأفاضِل منهم: الشَّيْخ عبْد الله بن عَبْد الوَهَّاب بن زَاحِم، والشَّيخ حَمَد بن مَزْيَد، والأخ الفَاضل محمَّد بن عَبْد المُحْسِن الخَيَّال، والأخ عَبْد الرَّحْمن بن قَاسِم، ومِمَّن أخَذ عَنْه الشَّيْخ عَبْد الرَّحْمن بن عُثْمان التميري، والشَّيْخ حَمَد بن ناصِر العَسْكَر، وكاتِبُ التَّرْجَمة، فَقْد لازَمْتُه ليْلًا ونهارًا ملازَمةً تامَّةً مُدَّةً طويلةً لا تَقِلُّ عَن الخَمْس عَشْرَة سَنَةً، وسَافَرْت في مَعِيَّته مرَّتين، وقرأتُ عَلَيْه جُمْلةً مِن الكُتُب في فُنُون عديدةً، في التَّوْحِيْد والتَّفْسِير، والحَدِيْث والفِقْه، والنَّحْو والفَرَائِض والمُصْطَلح وغيرها، واسْتَجَزْتُه فأجَازَنيبإجازَةٍ مُطَوَّلةٍ، هي نَفْس إجازة الشَّيْخ سَعْد بن عَتِيْق لَهُ، وزادَ فيها بَعْض مَشَايخه الذَّيْن أخَذَ عَنْهم وتَفَقَّه بهم، مختومةً بختمه الذاتي، وقد اتَّصل لي بوَسَاطَته مُسَلْسَل التَفَقُّه في المَذْهب الحَنْبَليِّ من طَرِيْقَي صاحِب "الإقناع" و"المُنْتَهى" وكُنْتُ أسْهر عنده في القِراءَة والبَحْث إلى السَّاعة الخَامِسَة أو السَّادِسَة لَيْلًا، وكان مُكْرِمًا لطُلَّاب العِلْم، ذا شفقة عَلَيْهِم، وتفَقَّد لَهُم إذا غَابوا، لا يَمَلُّ من كَثْرة التَّدْرِيْس، ذا تَثَبُّتٍ في الجَوَابِ، وتَحَرٍّ للصَّوَاب إذا سُئِلَ، له أجْوِبَةٌ سَدِيْدةٌ على مَسائل عَدِيْدَة، جَمَعَها بَعْض الطَّلَبَة على حِدَه. وَلِيَ القَضاء في بُلْدَان سديْر في صَفَر، سنةَ أربع وعِشْريْن وثلاث مئةٍ وأَلْفٍ، ثم أُضيف إليْه قَضَاءُ بَلَد المَجْمَعة وأعَمَالها والغاط بَعْد عَزْل سَلَفِهِ الشَّيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى قاضِيْها، وذلك بَعْد قَتْل عَبْد العَزيز بن رَشِيْد وبُطْلَان بَيْعَتِه، فأرسَلُوا وَفْدًا للإمام عَبْد العَزِيْز، وطَلَبُوا الدُّخُول في طَاعَته، فأجابَهُم إلى ذلك، ووَلِي المُتَرْجَمُ من وَقْتِئذٍ، فكان محمُودَ السِّيْرة في وِلَايَته، بَصِيْرًا بفصل القَضَايا وإيْصال الحُقُوق إلى مستحقيها، لا يَتَأخَّر عن الحْكمِ بالحَقِّ إذا ظَهَر له، وكان يُؤْثِر الإصلاح بَيْن الخَصْمَيْن، سيَّما إذا لم يَظْهر له وَجْه الصَّواب، حتَّى إنَّهُ رُبَّما أخَّر الفَصْل في القَضِية أيّامًا حتَّى يَمِيْل الخَصْمان إلى الصُّلْح، وقد لاحَظْتُ ذلك منه مِرَارًا، وكنت أقُول في نَفْسي: هذا أمرٌ لا يَنْبَغي، لأنَّ فيه تَعْطِيلًا وتَرْكًا للمَشاكِل بدُوْن حَلًّ، حتَّى وَقَفْت على قَوْل أمِير المُؤْمِنين عُمَر بن الخَطَّاب ﵁: (رُدُّوا الخُصوم حتَّى يَصْطَلِحُوا، فإنَّ فَصْل القَضَاء يُحْدِث بَيْنَ القَوْمِ الضَّغَائن)، وفي لَفْظٍ: (رُدُّوا الخُصُوم لعَلَّهم أن يَصْطَلِحوا، فإنَّه آثَر للصدق، وأقلُّ للخِيَانة) وفي لفظٍ: (رُدُّوا الخُصُوم إذا كانت بَينَهُم قَرَابةٌ، فإن فَصْل القَضَاء يُوْرِث بَيْنَهُم الشَّنَآن) فرَجَعْتُ عن قَوْلي، وعَلِمْت أنَّ ما عَلَيْه الشَّيخ هُوَ الحَقُّ، وكان محبّبًا عِنْد الخَاصِّ والعَامِّ، عَلَيْه هَيْبَةٌ ووَقَارٌ، حج مَرَّاتٍ وزَار المَسْجِد النَّبَويَّ سنةَ ثمانٍ وأرْبَعْين وثلاث مئة وألْفٍ، وقَامَ في فتنةِ فَيْصل الدويش وسُلْطَان بن بجاد مقامات تُذْكر فتُشْكر، وسَعى بَيْنَهم وبَيْن وَلِيَّ الأمْر بالصُّلْح، حِرْصًا على حَقْنِ الدِّماء، فما تَمَّ لَهُ ما أرَاد، لما سَبَق به القَضاءِ في الأَزل، وكان له المقام الأرْفع، ومَزَيْدُ الاحتِرام عند الإمام عَبْد العَزِيز، حتَّى إنَّهُبَعْد وفاة شَيْخِنا الشَّيْخ سَعْدِ بن حَمْد بن عَتِيْق ﵀ طَلَبَهُ أن يَكُون عِوَضًا عَنْه، ومَرْجعًا في بَلد الرِّيَاض، وألحَّ عَلَيه فاعْتَذَر، فقَبِلَ عذره، ولو ظَفَر بِذَلِكَ المنْصِب بَعْض النَّاس لجَالَدُوا عَلَيْه بالسُّيُوف، ثم إنَّه عُزِل عن قَضَاء المجمعة في ثلاثين شَوَّال، سنةَ ستيْن وثلاث مئةٍ وألفٍ. قلت: بقي بعد عَزْله عن قَضَاء المجْمَعة يُدَرَّس ويُفْتي ويَعِظُ ﵀ إلى أن تُوُفِّي رابعَ صفَر، سنةَ اثنين وسبعين وثلاثة مئة وألْفٍ ﵀، وله "حاشِيَةُ شَرْح زَاد المُسْتَقْنِع"، وقد طُبِعَت مَعَهُ.