page 220, entry [167]Open original source
(ذكر عقوبة من آذاه، وما قيل فيمن تنقَّصه، وسبب اختيارنا لمذهبه على مذهب غيره، وفضل أصحابه وأتباعه) أما عقوبة من آذاه، وما قيل فيمن تنقَّصه: فقال محمد بن الفضل: تناولت مرة أحمد بن حنبل، فوجدت في لساني ألمًا لم أجد القرار منه، فبتّ ليلة، فأتاني آتٍ فقال: هذا بتناولك الرجل الصالح! فانتبهت فلم أزل أتوب إلى الله حتى سكن. وقال مسعر بن محمد بن وهب: كنت مؤدِّبًا للمتوكل قبل أن يلي الخلافة، أنزلني في حُجْرة من حُجَرِ الخلافة، فربما كانت تعرضُ في فكرته مسألة في الدين، فيوجه إليَّ يسألني عنها، وكان إذا جلس للخاصَّة أقوم على رأسه، فإن افتقدني دعاني حتى أقف موقفي لا يخليني منه ليلًا ولا نهارًا إلا في وقت خلوته، وإنه جلس للخاصة ذات يوم في مجلسه الذي كان يسمى الوديع، ثم قام منه حتى دخل بيتًا له من قوارير سقفه وحيطانه وأرضه، وقد أجري له الماء فيه، فالماء يعلو على البيت وأسفله وحيطانه، يتقلب فيه، يرى من هو داخله كأَنه في جوف الماء جالس، وقد فرش له فراش قباطي مصر، ومساندها ومخادها الأرجوان، فجلس في مجلسه، وجلس عن يمينه الفتح بن خاقان وعبيد الله بن خاقان، وعن يساره بغا الكبير ووصيف، وأنا واقف في زاوية البيت التميمي مما يليه، وخادم آخذ بعضادتي الباب واقف، إذ ضحك المتوكل، فأرَمَّ القوم وسكتوا، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: ممَّ ضحك أمير المؤمنين أضحك الله سنّه؟ فقال: أضحكني أني ذات يوم واقف على رأس الواثق، وقد قعد للخاصة في مجلسي الذي كنت فيه جالسًا، وأنا واقف على رأسه، إذ قام من مجلسه حتى جاء فدخل هذا البيت الذي دخلته، فجلس في مجلسي هذا، ورُمْتُ الدخول فمنعت، ووقفت حيث الخادم واقف، وجلس ابن أبي دؤاد في مجلسك يا فتح، وجلس محمد بن عبد الملك بن الزيَّات في مجلسك يا عبيد الله، وجلس إسحاق بن إبراهيم في مجلسك يابغا، وجلس نجاح في مجلسك يا وصيف،إذ قال الواثق: والله لقد فكَّرتُ فيما دعوتُ الناس إليه من أن القرآن مخلوق، وسرعة إجابة من أجابنا، وشدة خلاف من خالفنا، حتى حَمَلْنَا مَنْ خَالفَنَا على السَّوط، والسيف، والضرب الشديد، والحبس الطويل، ولا يردعه ذلك، ولا يرده إلى قولنا، فوجدت مَنْ أجابنا رغب فيما في أيدينا، فأسرع في إجابتنا رغبة منه فيما عندنا، ووجدتُ مَنْ خالفنا منعه دِينٌ وورع عن إجابتنا، وصَبَرَ على ما يناله من القتل والضرب والحبس، فوالله لقد دخل قلبي من ذلك اليوم أمر، شككتُ فيما نحن فيه، وفي محنة من نمتحنه، وعذاب من نعذبه في ذلك، حتى هممت بترك ذلك الكلام والخوض فيه، ولقد هممت أن آمر بالنداء في ذلك، وأكف الناس بعضهم عن بعض. فبدأ ابن أبي دؤاد فقال: الله الله يا أمير المؤمنين أن تميت سنة قد أحييتها، وأن تبطل دينًا قد أقمته، وقد جهد الأسلاف فما بلغوا فيه ما بلغت، فجزاك الله عن الإِسلام والدِّين خير ما جزى وليًا عن أوليائه. ثم أطرقوا رؤوسهم ساعة يفكرون في ذلك، فبدأ ابن أبي دؤاد، وخاف أن يكون من الواثق في ذلك أمر ينقض عليه قوله، ويفسد عليه مذهبه، فقال: والله يا أمير المؤمنين: إن هذا القول الذي نحن عليه، وندعو الناس إليه لهو الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، وبعث به نبيه محمدًا ﷺ، ولكن عمي الناس عن قبوله. فقال الواثق: فإني أريد أن تباهلوني على ذلك! فقال ابن أبي دؤاد: ضربه الله بالفالج في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". وقال محمد بن عبد الملك الزيَّات: وهو فيسمِّر الله بدنه بمسامير من حديد في دار الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". وقال إسحاق بن إبراهيم: فأنتن الله ريحه في دار الدنيا قبل الآخرة حتى يهرب منه حميم وقريب إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". وقال نجاح: وهو فقتله الله في أضيق مجلس إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". ودخل عليهم إيتاخ: وهم في ذلك فأخذوه على البديهة، وسألوه عن ذلكفقال: وهو فأغرقه الله في البحر إن لم يكن ما يقوله أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". فقال الواثق: وهو فأحرق الله بدنه بالنار في دار الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا "إن القرآن مخلوق". فأنا أضحك من أنه لم يَدْعُ أحدٌ منهم بدعوة على نفسه يومئذٍ إلا استجيبت. أما ابن أبي دؤاد: فقد رأيت ما نزل به من الفالج. وأما ابن الزيَّات: فأنا أقعدته في تنور من حديد، وسمَّرت بدنه بمسامير من حديد. وأما إسحاق: فإنه مرض مرضه الذي مات فيه، فأقبل يعرق عرقًا منتنًا حتى هرب منه الحميم والقريب، وكان يُلقَى عليه كل يوم عشرون غلالة، فتؤخذ منه وهي مثل الجيفة، ويرمى بها في دجلة، ولا ينتفع بها، فتقطع من شدة النتن والعرق. وأما إيتاخ: فأنا كتبت إلى إسحاق بن إبراهيم، وقد رجع من الحج: كبِّله بالحديد وأغرقه. وأما الواثق: فإنه كان يحب النساء وكثرة الجماع، فوجَّه يومًا إلى ميخائيل الطبيب: ابغني دواءً للباءة، فقال: يا أمير المؤمنين بدنك فلا تهدَّه، فإن كثرة الجماع تهدُّ البدن، ولا سيما إذا تكلَّف الرجل ذلك، فاتق الله في بدنك، وأبق عليك، فليس لك من بدنك عوض، فقال له: لا بدّ منه! ثم رفع القطيفة عنه، فإذا بين يديه وصيفة قد ضمها إليه، ذكر من هيأتها وجمالها أمرًا عجيبًا. فقال: ومن يصبر عن مثل هذه؟ قال: فإن كان ولا بدّ، فعليك بلحم السبع، فأْمر أن يؤخذ لك رطل فيغلى سبع غليات في خل خمر عتيق، فإذا جلست على شربك أمرت أن يوزن لك منه ثلاثة دراهم، فانتقلت به على شربك ثلاث ليال، فإنك تجد فيه بغيتك، واتق الله في نفسك، ولا تسرف فيها، ولا تجاوز عما أمرتك به. فلهى عنه أيامًا، فبينا هو ذات يوم جالس على شرابه إذ ذَكَرَهُ فقال: عليَّ بلحم السبع الساعة، فأخرج له سبع من الجُبّ، وذبحمن ساعته، وأَمرَ فكبب له منه، ثم أمر فأغلي منه بالخل، ثم قدم له منه، فأخَذ ينتقل به على شرابه، وأتتْ عليه الأيام والليالي فسقى بطنُه، فجمع له الأطباء فأجمعوا كلهم على أنه لا دواء له إلا أن يسجر تنور بحطب الزيتون، ويسجر حتى يمتلئ جمرًا، فإذا امتلأ كُسِحَ ما في جوفه فألقي على ظهره، وحشي جوفه بالرَّطبة، ويقعد فيه ثلاث ساعات من النهار، فإذا استسقى ماءً لم يُسْق، فإذا مضت ثلاث ساعات كوامل أخرج منها، وأجلس جلسة منتصبة على نحو ما أمروا به، فإذا أصابه الروح وجد لذلك وجعًا شديدًا، وطلب أن يردَّ إلى التَّنور فلا يرد، وترك على حاله حتى تمضي ساعتان من النهار، ثم يجري ذلك الماء، ويخرج من مخارج البول. فإن سقي ماءً أو رُدَّ إلى التنور كان ذلك تَلَفَهُ. فأمر بتنور فاتُّخذ له، وسُجر بحطب الزيتون حتى إذا امتلأ جمرًا أُخرج ما فيه، وجعل على ظهره، ثم حُشي بالرَّطبة، وعُرِّي وأُجْلِسَ فيه، وأقبلَ يَصيحُ ويستغيث ويقول: أحرقتموني اسقوني ماءً، وقد وُكَّل به من يمنعه الماءَ، ولا يدعه أن يقوم من موضعه الذي قد أُقْعِدَ فيه، ولا يتحرك، فتَنَفَّطَ بدنهُ كله، فصارت فيه نفاخات مثل أكبر البطيخ وأعظمه، فترك على حالته حتى مضت ثلاث ساعات من النهار، ثم أخرج وقد كاد أن يحترق، ويقول القائل في رأي العين: قد احترق: فأجلسه المتطببون فلما وجد روح الهواء اشتدَّ به الوجع والألم، وأقبل يصيح، ويخور خوار الثور: ردُّوني إلى التنور، ردوني إلى التنور، فإني إن لم أردَّ متُّ، فاجتمع نساؤه وخواصه لما رأوا به من شدة الألم والوجع وكثرة الصياح، فرَجَوْا في أن يكون فَرَجُه في أن يرد إلى التنور فَرَدُّوه إلى التَّنور ثانيةً، فلما وَجَدَ مَسَّ النار سكن صياحه، وتفطَّرت النفَّاطات التي خرجت ببدنه، وخمدت وبرد جوف التنور، فأخرج من التنور وقد احترق وصار أسود كالفحم، فلم تمضِ به ساعة حتى قضى. فأضحكُ أنه لم يَدْعُ أحد منهم على نفسه بدعوة في تلك الساعة إلا استُجيبت. وفي هذا الباب حكايات أخرى تركتها للاكتفاء بهذه القصة العجيبة.