page 214, entry [164]Open original source
أما التعازي به: فذكر أولاده أن خلقًا كثيرًا عزوهم فيه، وأن جماعة من الصالحين لم يُعْرفوا جاؤوا للتعزية. قال صالح: جاءنا كتاب المتوكل بعد أيام من موت أبي، وجاء كتاب أخ لي يعزيني عن أبي: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أما بعد: فإن الله ﷿ حتم الموت على عباده حتمًا، عدلًا، على بريته كافة، قضاءً فصلًا حتى يأتي ذلك على جميع من ذرأ وبرأ، وكان ممن أتى عليه حتم الله ﷿ وقضاؤه: أبو عبد الله رحمة الله عليه. دعاه الله إليه فأجابه، راضيًا مرضيًا، نقيًا من الدَّنَس والعيب، طاهر الثوب، غير مبتدع، ولا ضالٍّ، ولا مُضلّ، ولا زائغ عن هدًى، ولا مائل إلى هوًى، لم يرهبه وعيد إلى أن نقله الله إليه وإلى جواره، فلمثل ما صار إليه من كرامة الله فليعمل العاملون، وعلى أن المصيبة به قد مضت، وأرمضت، وأبلغت من القلوب، فأنا أعزيك وعامة المسلمين ممن يقرأ كتابنا هذا بما أمر الله به، منجزًا لما وعد من صلاته ورحمته وهداه لمن احتسب، وصبر، وسلم، ورضي بحكم الله النافذ على جميع خلقه، فقد مضى على أحسن حالاته، وأحسن قصده وهديه، ثابت على حزمه وعزمه، أرَادَتْه الدنيا ولم يُرِدْها، لم تأخذه في الله لومة لائم، فقد كلم وثلم في الإِسلام فقده، وأنا أسأل الله الذي يجود بالجزيل ويعطي الكثير أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يعطيَ أبا عبد الله أفضل ما أعطى أحدًا من أوليائه الذين خلقهم لطاعته، وأن يعليَ درجته، ويرفع ركنه، ويجعل مجلسه مع النبيَّين والصِّدِّيقينوالشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يهب لك الصبر الذي يبلغك ما وعد الصابرين، ويقينًا يوجب لك ثواب المحسنين، فإنه وليُّ النعم، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير". وقال رجل من أهل العلم يوم دفن أحمد لآخر: تدري من دفنا اليوم؟ قال: من؟ قال: سادس خمسة. قال: من هم؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل. وكأنه عنى كل واحد في زمانه. أما الأشعار التي مدح بها في حياته، ورثي بها بعد وفاته فهي كثيرة جدًا وسأتركها طلبًا للاختصار، ولكن سأشير إلى بعضها، وأكتفي بإيراد بيت واحد من كل قصيدة. فمن ذلك: قصيدة أبي سعيد اليخامري في أحمد التي منها: فأنت أبا عبد الإِله مسدَّد … بتسديد ذي العرش الرفيع الدعائم ومن ذلك قول إسماعيل إبن فلان الترمذي فيه، وهو في المحنة ومطلعها: تبارك من لا يعلم الغيب غيره … ومن لم يزل يُثْنَى عليه ويُذْكَرُ وهي طويلة جدًا. ومن ذلك ما أنشده الهيضم بن أحمد لأبيه في أحمد، ومنها: يا ناعيَ العلم بيوم أحمدا … نعيت بحرًا كان يجري مزبدا وله أيضًا أخرى فيه ومنها: للزاهدين مع الدموع دموع … والعابدين لهم عليك خشوع وله أخرى فيه ومنها: لتبك عيون مسبلات بوبلها … على زينة الدنيا وعالم أهلها ومن ذلك قول علي بن حجر، ومنها: نعى لي إبراهيم أورع صالح … سمعت به من مُعْدِمٍ ومُخَوَّلِومن ذلك قول أبي مزاحم الخاقاني فيه، ومنها: جزى الله ابن حنبل التَّقيَّا … عن الإِسلام إحسانا هنيّا ومن ذلك قوله فيه أيضًا: لقد صار في الآفاق أحمد محنةً … وأمر الورى فيه فليس بمشكل ومن ذلك قول ابن الخباز فيه، ومنها: ومن أفْضَت الدنيا إليه فعافَهَا … وقال هبلتِ الدين أنبل مثكل وهي طويلة جدًا. ومن ذلك قول جعفر السَّراج منها: سقى الله قبرًا حلَّ فيه ابن حنبل … من الغيث وَسْمِيًّا على إثرهِ ولي ومن ذلك قول عبد الله بن محمد الأنصاري، ومنها: وإِماميَ القَوَّامُ لله الذي … دفنوا حميد الشأن في بغدان وهذا الباب واسع جدًا، اكتفيت منه بهذا القدر طلبًا للاختصار.