page 188, entry [144]Open original source
وأما تلقي المشايخ إياه بعد المحنة ودعائهم له. فقد تلقاه يعقوب بن إبراهيم لما أخرج، وصار يقبل جبهته ووجهه، وكذلك فعل سليمان بن داود الهاشمي، فكان يقبل جبهته ووجهه ورأسه. وجاءه الحارث بن مسكين فدخل عليه، فقال له أحمد: ضُربت فسقطت، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل. فقال الحارث: قد سعي بالزهري حتى ضرب بالسياط فقيل لمالك بن أنس: إن الزهري قد أقيم للناس، وعلقت كتبه في عنقه. فقال مالك: قد ضرب سعيد بن المسيب بالسياط، وحلق رأسه ولحيته، وضرب أبو الزناد بالسياط، وضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له فيحمام بالسياط. ثم قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذًى. ولم يذكر مالك نفسه. فأعجب أحمد بقول الحارث. ولتمام الفائدة نذكر بعض من ابتلي وامتحن: قد كانت الأنبياء تقتل، وأهل الخير في الأمم السالفة يحرقون ويقتلون، وينشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه، وهم كثير جدًا، ولكن لا بدّ من ذكر بعضهم: فرسول الله ﷺ قد سُمَّ، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ قد سم، وقتل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسُمَّ الحسن، وقتل الحسين، وابن الزبير، والضحاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وصلب خبيب بن عدي، وقَتَل الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن غالب الحداني، وسعيد بن جبير، وأبا البختري الطائي، وكميل بن زياد، وحطيطًا الزيات، وماهان الحنفي، صلبه وصلب قبله ابن الزبير، وقَتَل الواثق أحمد بن نصر الخزاعي، وصلبه، وضُرب من كبار العلماء عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضربه الحجاج أربع مئة سوط ثم قتله، وسعيد بن المسيب ضربه عبد الملك بن مروان مئة سوط، وحبيب بن عبد الله بن الزبير ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مئة سوط، وأبو الزناد ضربه بنو أمية، وأبو عمرو بن العلاء ضربه بنو أمية خمس مئة سوط، وربيعة الرأي ضربه بنو أمية، وعطية العوفي ضربه الحجاج أربع مئة سوط، وعبد الله بن عون ضربه بلال بن أبي بردة سبعين سوطًا، وثابت البُناني ضربه ابن الجارود خليفة ابن زياد، ويزيد الضبي ضربه الحجاج أربع مئة سوط، ومالك بن أنس ضربه المنصور سبعين سوطًا، وأبو السوار العدوي ضرب بالسياط، وعقبة بن عبد الغافر ضرب بالسياط، ولأحمد ابن حنبل في هؤلاء أسوة. وأما جعله المعتصم في حلًّ من ضربه ومن حضر، وبقاء أثر الضرب عليه، وتحديثه بعد المعتصم: فقد قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي. ثم قال: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فنظرتفي تفسيرها فإذا هو قد قال الحسن: إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله ﷿، ثم نودي أن: لا يقوم إلا من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. وقد وجَّه إليّ الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياي، فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل. وسألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعل أبا إسحاق في حل، فقلت له: قد جعلته في حل. ثم قال: قد تفكرت في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: لا يقم إلا من عفا". وذكرت قول الشعبي: إن يعف مرة يكن له من الأجر مرتين. وقال الحسين بنُ عبد الله الخِرَقي: بتُّ مع أحمد بن حنبل ليلة فلم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت: يا أبا عبد الله، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟ قال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي ومرّ بي في الدرس ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فسجدت، وأحللته من ضربي في السجود. وقال الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه، وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعية لأحللته. وكان أحمد: يقول جعلت المعتصم في حل، ومن تولى ضربي، ومن أعان، ومن حضر. وقلت: لا يعذب فيّ أحد إلا رجلين ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله من أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدكم أنهما في حل.