page 157, entry [121]Open original source
أما زهده ﵀: فقال أبو داود: ما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط. وقال عمر بن سليمان المؤدب: صليت مع أحمد التراويح، فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه، وما سمعنا من دعائه شيئًا، ولا ممن كان في المسجد، وكان فيه سراج على الدرجة لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا خلوق. وسئل بعضهم فقيل له: أحمد بن حنبل هو إمام؟ فقال: إي والله، صبر على الفقر سبعين سنة. وقيل لأحمد بن حنبل: إنَّ أحمد الدَّوْرَقي أعطى ألف دينار؟ فقال أحمد: (ورزق ربك خير وأبقى). وكان يقول: الفائز من فاز غدًا ولم يكن عنده لأحدٍ تبعة. وكان أيام الغلاء يجيء بغزل إلى بعض أصحابه ويستره فيبيعه له، فكان ربما باعه بدرهم ونصف، وربما باعه بدرهمين، فتخلف مرة فقال له: يا أبا عبد الله لم تجئ أمس؟ فقال: أم صالح اعتلّت، ودفع إليه غزلًا فباعه بأربعة دراهم، فجاء بها، فأنكر ذلك وقال: لعلك زدت فيه من عندك؟ فقال: ما زدت فيه من عندي، ولكن كان غزلًا دقيقًا. ودخل بيت ابنه صالح وقد غيّر سقفًا له فخرج وقال: لا أدخل حتى تغيروه. واشترى صالح جارية فشكت إليه أهلَه، فقال: قد كنتُ أكرهُ لهم الدنيا، وقد بلغني عنك الشيءَ، فقالت: يا عم ومن يكره الدنيا غيرك؟ فقال لها: شأنك إذًا. وقال صالح: كنا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كي لا يراه فيوبخنا على ذلك.ودخل إليه بعض أهل الحديث فقال له رجل منهم: ما هذا الغم يا أبا عبد الله؟ الإِسلام حنيفية سمحة، بيت واسع، فنظر إليهم وكان مضطجعًا، فلما خرجوا قال للمروذي: انظر إلى هؤلاء ما أريد أن يدخل عليَّ منهم أحد. وقال أحمد يومًا لإِسحاق بن هانئ: بَكِّر حتى تعارضني في شيء من الزهد. قال: فبكرت إليه وقلت لأم ولده أعطيني حصيرًا ومخدة فبسطته في الأرض، فخرج أحمد ومعه الكتب والمحبرة، فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ قلت: لتجلس عليه، فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلا بالزهد، فرفعته وجلس على التراب. وقالت له أم ولده: أنا معك في ضيق، ومنزل صالح يأكلون ويفعلون، فقال لها: قولي خيرًا، فخرج الصبي يبكي، فقال له أحمد: أي شيء تريد؟ قال: زبيب، فأخذ له من البقال بحبة. ومس أحمد رجلي ابنه عبد الله فإذا هما لينتان، فقال: ما هذه الرجلان، لم لا تمشي حافيًا حتى تصير رِجلاك خشنتين؟. وكان يقول: طعام دون طعام ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. وكان يقول: أَسَرُّ أيامي يومَ أُصبح وليس عندي شيء.