page 150, entry [117]Open original source
أما تعففه عن أموال الناس وطلق نفسه عنها وقطع طمعه منها: فإنه لما خرج إلى عبد الرزاق باليمن انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا. وقال عبد الرزاق: قدم علينا أحمد ها هنا فأقام سنتين إلا شيئًا، فقلت له: خذ هذا الشيء، فانتفع، به فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا كسب، وذلك دنانير، فقال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل مني. ورهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، واكترى نفسه من أناس من الجمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها. ولما خرج أصحابه تخلف من بعدهم، وقال لبقال كان له عنده درهم: خذ هذا النعل فإن بعثت إليك من صنعاء بالدرهم، وإلا فالنعل بالدرهم أرضيت؟ قال البقال: نعم، فأخبر البقال ابن أخت عبد الرزاق، فقال: ويحك لأي شيء أخذت النعل؟. وذكر عبد الرزاق أحمد فدمعت عيناه، وقال: قدم علينا وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عشرة دنانير وأقمته خلف الباب يومًا ما معه ومعي أحد وقلت له: لا يجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها فأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء، فتبسم، وقال: لو قبلت شيئًا من الناس قبلت منك. ولم يقبل. وقال حمدان بن سنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة فنفدت نفقتهم فبررتهم فأخذوا، وجاءني أحمد بن حنبل بفروة فقال: قل لمن يبيع هذه فجئني بثمنها فأتسع به، فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فردها، فقالت امرأتي: هذا رجل صالح لعله لم يرضها فأضعفها، فأضعفتها فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج. وقال رفيق له بواسط: جاء أبو عبد الله بجبة يبيعها في شدة البرد، فلم أزل بهحتى صرفته عن بيعها، فجئت إلى يزيد بن هارون فقلت له: إن أحمد بن حنبل جاءني بجبة لأبيعها له في هذا البرد، فقال لجاريته: زني مئة درهم وهاتيها، فدفعها إليّ وقال: ادفعها إليه، فجئت بها إليه وقلت: هذه بعث بها إليك أبو خالد، فقال أحمد: إني لمحتاج إليها، وإني لابن سبيل، ولكن لا أعوِّد نفسي هذا، ردها إليه، فدفع إليَّ جبته فبعتها له. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: جاءتني حُسن فقالت: يا مولاي قد جاء رجل بِتِلَّيسةٍ فيها فاكهة يابسة وهذا الكتاب، قال صالح: فقرأت الكتاب فإذا فيه: يا أبا عبد الله أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فوقع فيها كذا وكذا، وقد بعثت بها إليك أربعة آلاف درهم وفاكهة، أنا لقطتها من بستاني ورثته من أبي، وأبي من أبيه، قال: فجمعت الصبيان، فلما دخلنا عليه بكيت، وقلت: يا أبت ما ترق لي أن آكل الزكاة، ثم كشفت عن رأس الصبيان وبكيت، فقال: دع حتى أستخير الله الليلة، فلما كان من الغد قال: يا صالح صُني فإني قد استخرت الله تعالى الليلة، فعزم لي أن لا آخذها، قال: وفتح التِلِّيسَةَ وفرَّقها على الصبيان، وكان عنده ثوب عشاري فبعث به إليه ورد المال. قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفنًا. وسرقت ثيابه بمكة فأغلق على نفسه الباب أيامًا فسأل عنه أصحابه فوجدوه على هذه الحال، فقالوا له في ذلك، فقال: سُرقت ثيابي، فقال أحدهم: معي دنانير، فإن شئت خذ قرضًا، وإن شئت صلة، فأبى أن يفعل، فقال له: اكتب لي بأجرة قال: نعم، فأخرج له دينارًا فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوبًا واقطعه نصفين، يتزر بنصفه ويرتدي بالنصف الآخر، وجئني ببقيته. ففعل فكتب له ورقة بهذا الدنيار. وكان هو وشيخ من أهل الربض يسمعان على ابن عيينة، ففقد الشيخ أحمد أيامًا، فدلَّ على موضعه فجاءه، فإذا هو في شبه الكهف على بابه قصب، فقال: سلام عليكم، فقال أحمد: وعليكم السلام، فقال له: ادخل، فقال أحمد: لا .. ثم قال: أدخل؟ فدخل فإذا هو جالس وعليه قطعة لبد خَلِق، فقال: يا أبا عبد الله لم حجبتني؟ قال: حتى استترت. فقال له: ما شأنك؟ قال: سُرقت ثيابي. فبادر الشيخ إلى منزلهفجاء بصرة فيها مئة درهم فعرضها عليه فامتنع، وسأله أن يقبلها قرضًا فأبى حتى بلغت عشرين درهمًا، كل ذلك يأبى عليه فقام موليًا، فقال: ما يحل لك أن تقتل نفسك، أعرض عليك ولا تقبل! فقال أحمد: ارجع، فرجع الشيخ فقال: ألست قد سمعت معي على ابن عيينة سماعًا كثيرًا، فقال: بلى. فقال: أتحب أن أنسخه لك؟ قال: نعم. فقال أحمد: اشترِ ورقًا وجئني به، وكتب بدراهم ذكر مبلغها، فاكتسى منها ثوبين باثني عشر درهمًا وأخذ الباقي نفقة. ودخل على مروزي ثم خرج من عنده فقيل له: في أيِّ شيء جاءك أحمد؟ فقال: هو لي صديق وبيني وبينه سر، وتلكأ أن يخبر، فألحوا عليه فقال: كان استقرض مني مئتي درهم فجاءني بها، فقلت له: يا أبا عبد الله ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك، فقال أحمد: وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها إليك. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: دخلت على أبي في أيام الواثق والله يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه، وقد أتت عليه سنون كثيرة حتى قد بلي فإذا تحته كتاب كاغَد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدَّين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي. فقرأت الكتاب ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب فاحمّر وجهه، وقال: رفعته منك. ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إليَّ ونحن في عافية، فأما الدَّين فإنه لِرَجل لا يرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة الله والحمد لله. فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل الكتاب، فقال: ويحك، لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء ورمى به مثلًا في دجلة كان مأجورًا، لأن هذا الرجل لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك فردَّ عليه الجواب بمثل ما ردَّ عليه، فلما مضت السنّة أو أقل أو أكثر ذكرناها فقال لنا: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت. وجاءه ابن الجريري بألف دينار وقال: هذه من ميراثي من أبي فاشتر بها غلةًللصبيان، فأبى أن يقبلها وكان يكرمه، فلما أبى أن يقبلها قال له: لا بدّ أن تقبلها وألحّ عليه، فقال أحمد: إذا كان لك حاجة لا تجئ إلينا، فإن أردت أن تسألني عن شيء فأرسل لي، ثم قام ودخل منزله وأحصى ما رده وهو في العسكر، فإذا هو سبعون ألفًا. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال لي النساء: قل لأبيك ليس عندنا دقيق، فقلت له، فقال: الساعة، ثم أبطأ عليهم فعاودوني، فقلت له، فقال: الساعة. فبينا نحن على ذلك إذا برجل يدق الباب، فخرجت إليه فإذا رجل خراساني يشبه الصبح على كتفه عصا فيها جراب، فقلت له: حاجتك؟ فقال: أحمد بن حنبل، فدخلت على أبي فأخبرته، فقال: عُد إليه وقل له: فيما قصدت؟ في مسألة في حديث؟ فقال: ما قصدت مسألة ولا حديثًا. فقال: أدخله. فدخل الرجل فوضع العصا والجراب، ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: نعم. قال: أنا رجل من أهل خراسان، مرض جار لي فعدته، فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم، هذه خمسة آلاف درهم تأخذها وتوصلها إلى أحمد بن حنبل بعد وفاتي، فقد قصدتك بها من خراسان، فقال أحمد: بيننا وبينه قرابة؟ قال: لا. قال: فبيننا وبينه رحم؟ فقال: لا. قال: فبيننا وبينه نعمة يربُّها؟ قال: لا. قال: ضمها رحمك الله، فرادَّهُ الرجل، فأغلظ له أبي فحمل المال وانصرف، فلما كان بعد مدة كان جالسًا بين الكتب فنظر فيها فرفع رأسه، فقال: أتدري يا صالح منذ كم كان الخراساني عندنا؟ قلت: لا، قال: له اليوم إحدى وستون يومًا، هل جعتم فيها، أو فقدتم شيئًا. ومرض مرة فعاده الناس، وعاده علي بن الجعد فجعل عند رأسه صرة، فقال فُوران: إن عليًا قد جعل عند رأسك صرة، فقال أحمد: كما رأيته فاذهب فردها إليه. قال: فرددتها إليه. وقال له فوران يومًا: عندي خف أبعث به إليك؟ فسكت، فلما عاد إليه قال: لا تبعث بالخف فقد شغل قلبي عليّ.ووجه رجل صيني بكاغَدٍ من الصين إلى جماعة من المحدثين، ومنهم أحمد بن حنبل، وجَّه إليه بقِمَطْرٍ فردَّه. واتخذ سعدويه طعامًا للمحدثين ودعاهم وهم يسمعون منه، ففطن أحمد لذلك فقال: قد قرب وقت الصلاة، وخرج، فما اجترأ أحد منهم أن يكلمه، فجاء إلى سقاية فيها حُبُّ ماء فأخرج فتيتًا معه في خرقة، وأخذ كوزًا من الحُبّ، وجعل يستفُّه ويشرب عليه الماء، ثم جاء وقد طعموا فقعد يكتب معهم. وقال أحمد أيضًا لأصحاب الحديث: هل منكم أحد منزله بالكرخ؟ فقال له فتى: أنا يا أبا عبد الله، فقال: اثبت فإن لنا حاجة. فأخرج أبو عبد الله دراهم وقال: اشتر لنا بهذه ورقًا حتى تجيء به معك إذا جئت، فاشترى الفتى ورقًا، وحشا في دسوت الورق دنانير وجاء به إلى أحمد فأعطاها إياه، وانقطع الفتى عن المجيء، ففتح أبو عبد الله الورق فجعلت الدنانير تتناثر، فجمعها وجعل يقول لأصحاب الحديث: من منكم يعرف الفتى الذي اشترى لي الورق؟ فقال له رجل: أنا أعرف منزله. قال: فتلبث ها هنا فإن لي حاجة. وحمل أبو عبد الله الدنانير ومضى معه، فلما صار إلى قطيعة الربيع إذا الفتى قاعد، فقال له الرجل: هذا صاحبك يا أبا عبد الله، فقال أحمد: انصرف أنت، ثم جاء فسلَّم ووضع الدنانير في حجره وانصرف. وهذا الباب واسع جدًا وبهذا القدر كفاية.