page 6100, entry [2201]Open original source
[خروج العباس بن عمرو الغنويّ من البصرة] وفي هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغَنَويّ - فيما ذكر - من البصرة بمن ضُمّ إليه من الجند، مع من خَفّ معه من مطوَّعة البصرة نحو أبي سعيد الجنّابي ومَن انضوى إليه من القَرامطة، فلقيَهم طلائع لأبي سعيد، فخلّف العباس سوادَه، وسار نحوهم، فلقي أبا سعيد ومَنْ معه مساء، فتناوشوا القتال، ثمَّ حجز بينهم الليل، فانصرف كلّ فريق منهما إلى موضعهم. فلمّا كان الليل انصرف مَن كان مع العباس من أعراب بني ضَبّة - وكانوا زهاء ثلاثمئة - إلى البصرة، ثم تبعهم مطّوعّة البصرة؛ فلما أصبح العباس غادى القرامطةَ الحرب، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثمَّ إنَّ صاحب ميسرة العباس - وهو نجاح غلام أحمد بن عيسى بن شيخ - حمل في جماعة من أصحابه زُهاء مئة رجل على ميمنة أبي سعيد، فوغَلُوا فيهم، فقتِل وجميعُ من معه، وحَمَل الجنّابي وأصحابه على أصحاب العباس، فانهزموا، فاستأسر العباس، وأسر من أصحابه زُهاء سبعمئة رجل، واحتوى الجنّابي على ما كان في عسكر العباس؛ فلما كان من غد يومالوقعة أحضر الجنابيّ من كان أسر من أصحاب العباس، فقتلهم جميعًا، ثمَّ أمر بحطب فطرِح عليهم، وأحرقهم. وكانت هذه الوقعة - فيما ذكر - في آخر رجب، وورد خبرها بغداد لأربع خلون من شعبان. * * * وفيها - فيما ذكر - صار الجنّابيّ إلى هَجَر، فدخلها وآمن أهلها؛ وذلك بعد منصرفه من وقعة العباس، وانصرفَ فَلُّ أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة، ولم يكن أفلت منهم إلَّا القليل بغير أزواد ولاكسًا، فخرج إليهم من البصرة جماعة بنحو من أربعمئة راحلة، عليها الأطعمة والكسا والماء، فخرج عليهم - فيما ذكر - بنو أسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن أفلت من أصحاب العبّاس؛ وذلك في شهر رمضان؛ فاضطربت البصرة لذلك اضطرابًا شديدًا وهمُّوا بالانتقال عنها، فمنعهم أحمد بن محمَّد الواثقي المتولّي لمعاونها من ذلك، وتخوّفوا هجومَ القرامطة عليهم. ولثمان خَلَوْن من شهر رمضان منها - فيما ذكر - وردت خريطة على السلطان من الأبُلّة بموافاة العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأن أبا سعيد الجنّابيّ أطلقه وخادمًا له. ولإحدى عشرة خلتْ من شهر رمضان، وافَى العباس بن عمرو مدينة السلام، وصار إلى دار المعتضد بالثّريا، فذُكر أنَّه بقي عند الجنّابيّ أيامًا بعد الوقعة، ثمَّ دعا به، فقال له: أتحبّ أن أطلقك؟ ، قال: نعم، قال: امض وعرِّف الذي وجّه بك إلى ما رأيت. وحمله على رواحل، وضمّ إليه رجالًا من أصحابه، وحمّلهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء، وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يؤدّوه إلى مأمنه، فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل فصادف به مركبًا، فحمله فصار إلى الأبلّة، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله. وفي يوم الخميس لإحدى عشرة خلتْ من شوّال ارتحل المعتضد من مَضْرَبهبباب الشمَاسية في طلب وصيف خادم ابن أبي الساج، وكتم ذلك، وأظهر أنَّه يريد ناحية ديار مُضَر. وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلتْ منه، ورد الخبر - فيما ذُكر - على السلطان أن القرامطة بالسواد من أهل جُنُبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائي، فقتلوا من المسلمين جمعًا فيهم النساء والصبيان، وأحرقوا المنازل. ولأربع عشرة خلت من ذي القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء في طلب وصيف الخادم، فأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى تلاحق به الناس، وأراد الرحيل في طريق المصِّيصة، فأتته العيون أنّ الخادم يريد عين زربة، فأحضر الركّاضة الثغريّين وأهل الخبرة، فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين زربة، فقطعوا به جيحان غداة الخميس لسبع عشرة خلت من ذي القعدة، فقدّم ابنه عليًّا ومعه الحسن بن علي كوره، وأتبعه بجعفر بن سِعْر، ثمَّ أتبع جعفرًا محمَّد بن كُمُشْجور، ثمَّ أتبعه خاقان المفلحيّ، ثمَّ مؤنس الخادم، ثمَّ مؤنس الخازن، ثمَّ مضى في آثارهم مع غلمان الحجر، ومرّ بعين زَرْبة؛ وضرب له بها مضرب، وخلّف بها خفيفًا السَّمْرقنديّ مع سواده، وسار هو قاصدًا للخادم في أثر القوّاد، فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم، ووافوْا به المعتضد، فسلمه إلى مؤنس الخادم وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر، وأمر ببذل الأمان لأصحاب الخادم والنّداء في العسكر ببراءة الذمّة ممن وُجد في رحله شيء من نهب عسكر الخادم، ولم يردّه على أصحابه؛ فردّ الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم. وكانت الوقعة وأسرُ وصيف الخادم - فيما قيل - يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وكان من اليوم الذي ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسيّة إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يومًا. ولما قبض المعتضد على الخادم انصرف - فيما ذكر - إلى عين زربة، فأقام بها يومين، فلمّا كان في صبيحة الثالث؛ اجتمع إليه أهل عين زربة، وسألوه أن يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم، فرحل عنها في اليوم الثالث، فنزل المصّيصة بجميع عساكره إلَّا أبا الأغرّ خليفة بن المبارك؛ فإنَّه كان وجّهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلّا يصير إلى مَرْعش، وناحية مَلْطَية، وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مرعش وبلغ أصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذَل لهمالمعتضد من الأمان، وما أمر بردّه عليهم من أمتعتهم، فلحقوا بعكسر المعتضد داخلين في أمانه. وكان نزول المعتضد بالمصّيصة - فيما قيل - يوم الأحد لعشر بقين من ذي القعدة، فأقام بها إلى الأحد الآخر، وكتب إلى وجوه أهل طَرَسُوس في المصير إليه، فأقبلوا إليهم منهم النُّغيل - وكان من رؤساء الثغر - وابن له، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعة معهم، فحبس هؤلاء مع آخرين، وأطلق أكثرهم. فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد، وكان قد وجَد عليهم لأنهم - فيما ذكر - كانوا كاتبوا وصيفًا الخادم، وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التي كان المسلمون يغزون فيها وجميع آلاتها. وذكر أن دميانة غلام يازمان هو الذي أشار عليه لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، فأحرق ذلك كله، وكان في المراكب نحو من خمسين مركبًا قديمًا قد أنفق عليها أموالٌ جليلة لا يُعمل مثلها في هذا الوقت فأحرقت، فأضرّ ذلك بالمسلمين، وكسر ذلك في أعضادهم، وقويَ به الروم، وأمنوا أن يُغْزوا في البحر. وقلّد المعتضد الحسنَ بن علي كورة الثغور الشأمية بمسألة من أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد - فيما قيل - من المصِّيصة فنزل فُندُق الحسين، ثمَّ الإسكندرية، ثمَّ بَغْراس ثمَّ أنطاكية، لليلتين خلتا من ذي الحجة. فأقام بها إلى نحَر، وبكّر في ثاني النحر بالرحيل، فنزل أرتاحَ ثمَّ الأثارب ثمَّ حلب، فأقام بها يومين، ثمَّ رحل إلى الناعورة، ثمَّ إلى خُساف، وصفِّين هناك في الجانب الجَزَري، وبيت مال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ في الجانب الآخر، ثمَّ إلى يالس، ثمَّ إلى دَوْسر، ثمَّ إلى بطن دامان، ثمَّ إلى الرّقة، فدخلها لثمان بقين من ذي الحجة، فأقام بها إلى أن بقيَ ليلتان منه. * * *